حرب سياسية ببعد عسكري

قبل قرابة عام، ومع تصاعد الخلاف بشأن تطبيق اتفاقية سوتشي في سورية، اتفقت تركيا وروسيا على فصل المستوى الاستراتيجي من علاقاتهما عن مستواها التكتيكي أو الجزئي، مهما تصاعد الخلاف بينهما حوله. حدث هذا، فاعتقد الرئيس التركي، أردوغان، أن نظيره الروسي، بوتين، لن يُقدم في المستوى التكتيكي على ما يضرّ بالمستوي الاستراتيجي المشترك، وأن تركيا مهمة للرئيس الروسي الذي لم تحقق سياساته الخارجية أي إنجازٍ خلال سنوات حكمه العشرين غير الإنجاز التركي، بدلالاته الخطيرة في المجال العسكري فالاقتصادي والاجتماعي والسياسي … إلخ. في المقابل، احتاج أردوغان إلى البعد الروسي من سياساته، ليرد ضغوط حلف شمال الأطلسي (الناتو) وواشنطن عليه، وليفيد من هوامش المناورة التي يتيحها الكرملين له، بما في ذلك على الصعيد العسكري، مثلما احتاج بوتين إلى تركيا لاختراق طوق الحصار الأطلسي المضروب حوله، ولامتلاك هامش مناورةٍ يسمح له بخياراتٍ هجوميةٍ، تؤكد صحة استراتيجية القوة أداة للسياسة الخارجية التي طبقها ضد الشعب السوري. 
لن يحارب بوتين تركيا من أجل بشار الأسد، لأن هزيمة أنقرة تعني خسارة تركيا، وسيمثل كارثة شخصية تحل به شخصيا، فإذا انتهت الحرب من دون انتصار، خسر تركيا وسورية معا. وفي الحالتين، ليس في مصلحته خوض حربٍ لها هذا الثمن المرعب، من أجل تابعٍ قد يتخلي عنه، لن يضير روسيا أن تتلقى مليشياته صفعةً من يد جيش محترف، حسن التدريب والتسليح، سيسدّد إليها ضربات مؤلمة إن لم تفرّ من ميدان المعركة، جريا على عادتها في كل حربٍ خاضتها أمام إسرائيل، التزاما بمبدأ عقدي لقنها إياه الأسد الأب، تلخصه جملة: “مية كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمه، والهريبة تلتين المراجل”.
بهذه الحسابات، يرجّح أن تكون المعركة قصيرة، لكونها رسالةً إلى الأطراف المعنية بالشأن السوري، تقوم على عملية أو عمليات عسكرية متتابعة في أماكن متفرقة، وليست حربا تخرج الأسد من الصراع. لذلك، ما أن قال أردوغان إن هدفه تطبيق اتفاقية سوتشي، حتى ادّعى الوزير الروسي لافروف أن هذا هدف روسيا أيضا.
… والواقع أن تركيا غضبت، لأن بوتين ثبت المستوى الاستراتيجي، لأنه يعود بالنفع على اقتصاده وصناعات السلاح لديه، بينما حرّك الصعيد التكتيكي ضد تركيا، في إدلب، وبما يتجاوزها إلى مناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات” و”نبع السلام”، عبر تعهده المتكرّر بإعادة جميع الأراضي السورية إلى غاصب السلطة الأسدي. وحين لم يكتف بالكلام، بل أمر جيشه بشقّ طريق مرتزقة الأسد إلى الحدود التركية، مرورا بالمنطقة العازلة التي حظرت اتفاقية سوتشي دخول وحداته إليها بموافقة روسيا، وقرّرت إشراف دوريات مشتركة بينها وبين تركيا عليها، كما لم تنص الاتفاقية على فتح الطريقين الدوليين، الرابع والخامس، بواسطة مليشيات الأسد التي مكنتها القوة الروسية من احتلال الخامس منهما وفتحه، بعد توغل قواتها إلى ما وراء المنطقة العازلة من الجهة التركية.
بعد فترة صمت، أدرك أردوغان أن الصفقة التي عقدها مع بوتين خاسرة، وأن تحريك المستوى التكتيكي من علاقاتهما لصالح الأسد يهينه ويضعفه على الصعيد الاستراتيجي أيضا، فقرّر تصحيح المعادلة بالوسيلة التي يستخدمها بوتين: القوة العسكرية. وفي خلفية قراره ما سبق قوله عن خسارة روسيا الحتمية في حال واجهت الجيش التركي، ولو في معارك محدودة وتكتيكية، ما دامت ستواجه جيشا تركيا يخوض معركةً قيل له إن ضرورات أمن قومي تمليها، وإنها تتصل بالمصلحة التركية العليا، وبما فيها من منطوياتٍ قوميةٍ تتصل بكرامة الأمة وحكامها.
من المرجّح أن تنتهي الأزمة التي لا يجوز أن تغلق معاركها العسكرية باب حلولها الوسط السياسية، التي يرجّح أن تخرج الأسد من المنطقة العازلة، وجبهة النصرة من إدلب، وتضع الطرق الدولية تحت إشراف روسي تركي مشترك.
بغير ذلك، وقانا الله مما سيحدث!

 

الكاتب:ميشيل كيلو – المصدر:العربي الجديد

“هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي المرصد السوري”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة