آفاق المشروع الطائفي في سوريا

47

تتعرض المجتمعات العربية وأنظمتها السياسية المسيطرة إلى مخاطر إعادة توضيب شاملة للمنطقة. ويتجلى ذلك من خلال مشاريع سياسية واقتصادية تضعها مراكز صناعة القرار في الدول الرأسمالية العظمى. وتلك المشاريع لا تقف عند حدود تقسيم المقسم وتفتيت المفتت وتجزئة المجزأ، بل تتجاوزها إلى إعادة هيكلة الأنظمة السياسية في سياق إعادة إنتاج العلاقات السياسية والاقتصادية وفق آليات تساهم في تعميق التبعية الاقتصادية والارتهان السياسي إلى منظومة رأسالمال العابر للحدود الجغرافية والقومية والجنسية. وتجلّى ذلك بشكل واضح بعد اندلاع موجات «الربيع العربي». أما الدوافع الكامنة خلف ذلك، فإنها تتجاوز ما ذكرناه إلى تحويل دول عربية إلى كانتونات طائفية وعرقية ودينية. وتُشكل هذه التحولات المدخل الموضوعي إلى إعلان الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وترى الأطراف الضالعة في تلك المشاريع أن المدخل إلى ذلك يتعين في إضعاف الجيوش العربية وإدخال المجتمعات في صراعات بينية محمولة على عوامل طائفية ـــ إثنية ـــ عرقية. وهذا يسهّل بطبيعة الحال نشوء كيانات محمولة على هويات دون وطنية، ويفتح المجال أمام إعادة ترسيم الحدود الجغرافية.
لكنَّ نقل تلك المشاريع إلى حيز التنفيذ يحتاج إلى شروط وعوامل تتعدى حدود رغبة الدول صاحبة المشاريع. لهذا نؤكد على أن تماسك البنى الاجتماعية، وكذلك قدرة الأنظمة السياسية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتوفير مناخات سياسية ديموقراطية تضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية، يساهمان في إغلاق الأبواب أمام هذه المشاريع. لكن في حالتنا العربية، فإن التفتت والتذرر أصبح من السمات الملازمة لمجتمعاتنا. أما السياسات الرسمية، فإنها ساهمت بأشكال مختلفة في فتح الأبواب أمام أشكال التدخلات الخارجية كافة. وهذا يقودنا إلى التأكيد أننا نواجه جملة من التحولات التي تهدّد أمن واستقرار ووحدة مجتمعاتنا. فالعراق مهدّد بتحويل الانقسامات المذهبية والدينية والإثنية إلى أشكال سياسية. وفي ليبيا، فإن الاقتتال القبلي المحمول على مشاريع سياسية مدعومة من أطراف دولية سيقود بعد انهيار السلطة المركزية إلى توضيب المكونات القبلية بأشكال سياسية. أما اليمن، فإن اندراجه في سياق تقسيمي غير مستبعد.
وفي حال استمرار الصراع في سوريا، فإن مصيرها لن يكون أفضل من مصير الدول التي أتينا على ذكرها. فالمجتمع السوري يكتنفه التعدد والتنوع. وبمقدار ما يشكّله ذلك من ميزات إيجابية في الأوضاع الطبيعية، فإنه يتحوّل إلى أحد أكثر المصادر خطورة في حال تم توظيفه سياسياً. وهذا المستوى يشتغل على توظيفه واقعياً العديد من الأطراف الدولية. ويندرج في هذا السياق ما تقدم به الموفد الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا. بقوله إن تطبيق النموذج اللبناني ينسجم مع التنوع الموجود في سوريا، ويساعد على الخروج من الأزمة. ونذكّر هنا أن الاستعمار الفرنسي قبل أن يخرج من لبنان عمل على تكريس شكل نظام سياسي يقوم على التمثيل الطائفي القائم على المحاصصة. ولا يخفى على المتابع لنماذج الدولة الطائفية أنها تمثّل مصالح زعماء الطوائف والطغم المالية في سياق الارتباط والتبعية الاقتصادية الكولونيالية والارتهان السياسي للرأسمال العالمي. فالنظام الطائفي يتجاوز حدود تمثيل الطوائف سياسياً إلى إجهاض أي تحوّل سياسي ديموقراطي. وذلك يتعلق بتركيبته وبنيته الأيديولوجية والفكرية والسياسية. ويتجلى ذلك من خلال آليات اشتغاله في ضبط الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة وقواها السياسية ضمن أطر وحدود الطوائف. وهذا بطبيعة الحال يكبح آليات الصراع طبقي. فالعمل السياسي الوطني الديموقراطي بطبيعته يخترق حدود الطوائف. لهذا، فإن زعماء الطوائف والتجار والطغم المالية يرون أن الشكل الطائفي يضمن مصالحهم المتناقضة بداهة مع مصالح الفقراء والمهمشين من الطوائف كافة. لهذا، فإن رموز السلطة وزعماء الطوائف يرسمون الحدود السياسية بين الطوائف وفق ضوابط وآليات ومعايير تلجم أي تعبير سياسي وطني يمكن أن يساهم في توحيد المهمشين وتحويلهم إلى قوة مستقلة وفاعلة تتجاوز حدود وأطر الطوائف. وإجهاضهم لتحوّل كهذا يتعلق بإدراكهم أنه يشكل المدخل إلى تدمير دعائم الدولة الطائفية.
بالعودة إلى الواقع السوري، فإن موقف الموفد الأممي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية. فالحل في سوريا لن يكون من خلال تطبيق النموذج اللبناني، لأن في ذلك إدخال للمجتمع في صراعات طويلة تساهم في تفاقم المأساة السورية التي وصلت إلى حدود اللا معقول. والنموذج الطائفي يعني تقسيم سوريا على أساس الانتماء الطائفي والديني والعرقي والإثني. وهذا يُشكّل مدخلاً موضوعياً إلى إنشاء دويلات وإمارات دينية على أنقاض الدولة الوطنية المركزية، وهو سيغلق آفاق أي تحوّل سياسي وطني ديموقراطي. وهذا يعني أنه، في حال التوافق على تمرير مشروع كهذا، فإن المنطقة العربية وشعوبها ستشهد نهايات الشعارات الوطنية والقومية. ويزيد من مخاطر هذه التحولات، الآليات التي تشتغل عليها التنظيمات والتشكيلات الجهادية التكفيرية لفرض النموذج الأحادي للدولة الدينية التي ستكون الأقليات أولى ضحاياها.
إن ديمومة النموذج الطائفي الذي يشكل جوهر الدولة اللبنانية، يقوم على مشاركة زعماء الطوائف في القرار السياسي. وأي خلل في ذلك التمثيل، قابل للتحول إلى صراع يهدد استمرار بنية السلطة المسيطرة. فيما النموذج العراقي يتم تناوله من خلال أشكال فيدرالية. وكلا الخيارين لا يتوافقان مع المشهد السوري، خصوصاً أن «داعش» تعمل على إقامة دولة إسلامية خالية من أي وجود أو مشاركة للطوائف الأخرى، مثلما تفعل «جبهة النصرة» وأمثالها. فالأقليات المذهبية مستهدفه وجودياً من قبل الأطراف الجهادية. وهذا يتناقض مع ألف باء النموذج الطائفي اللبناني.
في السياق ذاته، فإن قيام المجموعات الجهادية بدور وظيفي ممول ومدعوم من قبل أطراف دولية، يعني أن الجهات الداعمة تمتلك إمكانية ضبط تلك المجموعات. لكن ذلك يتعلق بالمهام الموكلة إلى هذه المجموعات ودرجة تنفيذها. وفي اللحظة التي تشعر فيها الجهات الدولية بأن أهدافها في فرض النموذج اللبناني أو العراقي أو غير ذلك من الأهداف التي تندرج في سياق مشروعها النهائي، باتت بحكم الأمر الواقع، يمكن حينها أن تتدخل لإنهاء الصراع. لكن ذلك على الأرجح لن يكون إلا بعد تدمير مقومات الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإعادة المجتمع إلى مكوناته الأولية. وهذا بطبيعة الحال سيكون على أنقاض أي مشروع سياسي يفتح آفاق المستقبل على التغيير الديموقراطي ويحافظ على وحدة الجغرافيا السورية ووحدة المجتمع في إطار دولة المواطنة.
ثمة ضرورة لإيجاد مقدمات حل سياسي يضمن حقوق السوريين ووحدتهم، ويفتح آفاق الانتقال إلى نظام سياسي ديموقراطي يحقق العدالة الاجتماعية. لكنَّ ذلك يجب ألا يدفعنا إلى تجاهل المواقف الدولية، ودورها في تحويل سوريا إلى ساحة لصراع مشاريع متناقضة. بيد أن التعامل مع ذلك يكمن في تأسيس تحالف وطني عريض يضع المقدمات الضرورية لحل سياسي شامل، يُجهض أي سيناريو تقسيمي طائفي أو عرقي، ويضمن الانتقال إلى دولة المواطنة، ويرسي ما أقرته شرعة حقوق الإنسان.

 

معتز حسيو 

المصدر : السفير