أحمد جمعة : شعوب عربية تترقب حلا سياسيا لأزمات بلادهم خلال 2023.. الليبيون يتطلعون لإجراء الانتخابات فى أقرب وقت.. وانقسام الفلسطينيين يضعف صفوفهم فى مواجهة الاحتلال.. ولبنان وسوريا ضحيتان للتدخلات الخارجية

تترقب عدد من الشعوب العربية إيجاد حل للأزمات التي تعاني منها دولهم خلال السنوات الماضية دون التوصل إلى سبل لتسوية سياسية أو إجراء انتخابات في القريب العاجل، وذلك بسبب التعنت والانسداد السياسي في المشهد المعقد سواء في ليبيا أو سوريا أو لبنان أو بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

العامل المشترك في الأزمات العربية خلال العقد الأخير هي التدخلات الخارجية من بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تسعى لتنفيذ أجندتها الخاصة داخل بعض الدول العربية، وهو ما يؤدي لتعزيز الانقسام وتعقد المشهد السياسي الذى تستفيد منه الدول المتدخلة في شؤون دولنا العربية، وهو ما يتطلب يقظة من شعوبنا للالتفات والاتحاد ضد هذه التدخلات والعمل على حل أزماتنا الداخلية في إطار حوار وطني.

المشهد الدولي الذي يموج بالصراع بين معسكرات غربية نتيجة الأزمة الأوكرانية أحد أبرز العوامل التي تعقد سبل حل الأزمات والمشكلات التي تعاني منها دولنا العربية، وذلك لأن الأطراف المتصارعة في أوكرانيا هي نفسها المتدخلة في شؤون الدول العربية التي تعاني من عدم الاستقرار، فضلا عن أن حل الأزمات التي تعصف ببعض دولنا العربية تحتاج لتوافق دولي على آلية الحل كي تنجح الجهود الرامية لنزع فتيل الأزمة وإرساء دولة المؤسسات والقانون ويصعب تحقيق هذا الأمر في ظل حالة الاستقطاب الدولى.

الأزمة الليبية وسبل إجراء الانتخابات

تعد الأزمة السياسية التي تعصف بليبيا أحد أبرز الأزمات الشاهدة على تداعيات التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، وذلك عقب إفشال عملية إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في البلاد 24 ديسمبر 2021، فضلا عن تعثر المسارات الثلاثة المنبثقة عن مؤتمر برلين الدولي لحل الأزمة الليبية، ورغبة بعض الدول الخارجية في استمرار حالة التناحر والانقسام بين الفرقاء الليبيين.

يتطلع الليبيون في العام الجديد إلى تمكن الأطراف المتنازعة والمتصارعة على تحقيق توافق ليبي – ليبي يفضي للاتفاق على الخطوط الرئيسية اللازم لإجراء العملية الانتخابية سواء بالاتفاق على الإطار الدستوري اللازم للعملية الانتخابية، وتفعيل المسار العسكري لتوحيد مؤسسة الجيش وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من التراب الليبي.

مشكلة ليبيا الحقيقية تكمن في انقسام الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة في الشأن الليبي حول رؤيتها لسبل الحل، وهو ما يبدد أي فرصة لإنهاء الانقسام السياسي والتوافق على خارطة طريق جديدة تكون قادرة على توحيد السلطة التنفيذية في البلاد، بالإضافة لمعالجة الأزمات الأمنية التي تعاني منها البلاد عقب أحداث 17 فبراير 2011.

الواقع الحالي يقول أن الأمم المتحدة من خلال وساطتها التي تقوم بها في ليبيا قد فشلت على مدار السنوات الماضية في الدفع نحو التوافق بين الليبيين، وذلك نتيجة الاستراتيجية التي تتبعها المنظمة الأممية والتي تعتمد على إدارة الأزمات وليس إدارتها مما يتسبب في فشل أي جهد يهدف لحل الأزمة، وبالتالي يحتاج المبعوث الأممي الجديد عبد الله باتيلي لتطوير أدواتها في التعاطي مع هذه الأزمة الدقيقة.

وتعاني ليبيا في مدن الجنوب من التحركات التي تقوم بها جماعات إرهابية ومتطرفة تحاول تنظيم صفوفها مجددا في ظل غياب الاهتمام الدولي بملف مكافحة الإرهاب في جنوب ليبيا بشكل خاص ودول الساحل والصحراء بشكل عام، وهو ما يدفع الجيش الوطني – رغم الإمكانيات المحدودة – للقيام بجهد مضاعف وتسيير دوريات تهدف للحفاظ على أمن واستقرار الجنوب الليبي والمناطق التي تعاني من رخوة أمنية.

2023 .. الأصعب على فلسطين

من المتوقع أن يكون العام الجديد هو الأصعب على القضية الفلسطينية مع تولي حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو مقاليد الحكم خلال الساعات الماضية، وهي حكومة تحمل أجندة متشددة تهدف للقضاء على كل ما هو فلسطيني وتبديد أي فرص لتفعيل الحل السياسي بالجلوس على طاولة المفاوضات، وهو ما يعنى محاولة هذه الحكومة لتجاوز الخطوط الحمراء وفرض واقع سياسي جديد في الأراضى المحتلة.

الحالة الفلسطينية لا تختلف كثيرا عن الوضع في ليبيا لأن الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العوامل التي تضعف القضية الفلسطينية التي تمثل القضية المركزية للدول العربية، فضلا عن عدم وجود آفق حقيقي لتحقيق الوحدة الوطنية وإجراء الانتخابات العامة والتشريعية في البلاد، نتيجة تضارب المصالح بين الفصائل وعدم وجود رغبة حقيقية لإنهاء حالة الانقسام، وغياب أي رؤية وطنية متوافق عليها لتحقيق الوحدة بين الفصائل.

يمثل الوضع القانوني الثابت في مدينة القدس المحتلة “حجر الزاوية” في الملف الفلسطيني وأي محاولات من الحكومة الإسرائيلية الجديدة لتغييره سيكون لها تداعيات خطيرة للغاية، ويمكن أن تؤدي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة تكون شرارتها من مدينة القدس وتمتد إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة.

الاستراتيجية التي تتبعها حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو ستتبع نفس السياسة السابقة وهي مقاطعة كل ما هو فلسطيني وعدم الانصات إلى دعوت تفعيل الحل السياسي، فضلا عن تخطيطها لتوسيع رقعة الاستيطان وقضم المزيد من الأراضي وضم عشرات المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية إلى إسرائيل، والأخطر هو محاولة سن قانون يشرعن عملية تطبيق الإعدام على المقاومين الفلسطينيين وهو ما يمثل تصعيد خطير وتضارب للفلسفة التي قامت عليها إسرائيل منذ عقود.

لبنان .. أزمات اقتصادية ومخاض سياسي عسير

تعاني دولة لبنان من حالة انسداد سياسي نتيجة المحاصصة الطائفية والصراع بين المكونات السياسية على مقاليد الحكم، وهو ما أجهض انتخاب رئيس في عشر جلسات لمجلس النواب اللبناني، في ظل أزمة اقتصادية وسياسية خانقة تعصف بالشقيقة لبنان لأول مرة في تاريخها، وهو ما يعني استمرار حالة الشغور السياسي القائمة من انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون في 31 أكتوبر الماضي.

المخاض السياسي العسير الذي يعيشه لبنان يمكن أن يدوم لفترة طويلة بعد فشل النواب في انتخاب رئيس للبلاد نتيجة عدم امتلاك أي فريق سياسي لأكثرية برلمانية تمكنه من فرض مرشحه لتولي رئاسة البلاد في هذه الظروف الدقيقة والصعبة التي تنعكس على المجتمع اللبناني بشكل كبير.

وتعارض كتل رئيسية بينها حزب الله الذي يمثل القوة السياسية والعسكرية الأبرز، تولى ميشال معوّض رئاسة البلاد وتصفه بأنه مرشح “تحدٍّ”، وتدعو إلى التوافق على مرشح آخر، وعادة ما يؤخر نظام التسويات والمحاصصة القائم بين القوى السياسية والطائفية، القرارات المهمة، وبينها تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس، لكن المشكلة الحقيقية في لبنان حاليا أن الفراغ الرئاسي يتزامن مع وجود حكومة تصريف أعمال عاجزة عن اتخاذ أية قرارات مصيرية في ظل حالة الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بـ”سويسرا الشرق” من العام 2019.

مشكلة لبنان الحقيقية هي التدخلات الخارجية ووقوعه فريسة لصراعات إقليمية واستهداف عمقه الاستراتيجي والاقتصادي بواسطة قوى معادية متحالف مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يرى أن اشغال لبنان واستهدافه الداخلي سيضعف دوره الداعم للحق الفلسطيني على كافة الأصعدة.

الأزمة السورية تراوح مكانها

الحالة السورية شديدة الخصوصية وتعد أحد أبرز الدول التي تم تعاني من الدمار والخراب نتيجة التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية والدولية التي تطورت من صراعات سياسية إلى صراعات مسلحة استخدمت فيها كيانات مسلحة لخدمة أجندة أطراف بعينها، وهو ما تسبب في مقتل مئات آلاف السوريين وتهجير الملايين من اللاجئين الذين يعانون في الخارج.

مشكلة سوريا الحقيقية أن الأزمة لن تحل إلا بعد التوافق الإقليمي والدولي على آلية الحل، خاصة أن الصراع في الدول الشقيقة هو صراع بالأساس بين قوى عظمى تسعى لفرض رؤيتها وأجندتها الخاصة عند التوافق على الأزمة، وهو ما يؤدي لاستمرار حالة الانسداد السياسي نتيجة تضارب المصالح والتدخلات الخارجية، وتربط الدول الغربية عملية إعادة اعمار المدن المدمرة التي تحتاج لما يقرب من 900 مليار دولار بـ”وجود عملية سياسية ديمقراطية” تشارك فيها كافة القوى والأحزاب السياسية، رافضة السماح بإعمار أيا من المدن والبلدات المدمرة دون تطبيق القرار 2254 وتفعيل الفترة الانتقالية التي تقود لانتخابات رئاسية في البلاد.

تعانى المدن والبلدات السورية من دمار وخراب جراء الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد منذ أحداث مارس 2011، وهو ما أدى لتدمير البنية التحتية بشكل كامل، ورغم تمكن الجيش السوري من تحرير عدد كبير من المدن إلا أن الحكومة في دمشق لن تقود قادرة على تحمل فاتورة إعادة الاعمار وحدها، وتواجه سوريا تحديات إنسانية خطيرة حيث يحتاج ما يقرب من 12 مليون شخص في حاجة إلى مساعدة إنسانية بشكل أو بآخر، فيما أكثر من 5 ملايين لاجئ سورى هربوا إلى دول مجاورة.

الكاتب: أحمد جمعة

المصدر: اليوم السابع