أردوغان بين الأكراد و «داعش»

مع التباعد بين «العدالة والتنمية» وسائر الأحزاب التركية في البرلمان الجديد، ليس أمام أحمد داود أوغلو سوى تأليف حكومة أقلية تقتصر على حزبه وتعجز عن نيل الثقة. بذلك يمهّد الطريق إلى انتخابات مبكّرة يراهن رجب طيب أردوغان على أن يحصد فيها غالبية عجز عن نيلها سابقاً، ويستند الرهان إلى استنهاض الوطنية التركية في مواجهة الأكراد، خصوصاً أكراد «حزب الشعوب الديموقراطي» و «حزب العمال الكردستاني» الذي تلطّخ بدم جنود أتراك.

الانتخابات المبكّرة بعد حوالى ثلاثة أسابيع، ورهان أردوغان المبسط يهمل عاملاً طارئاً هو «داعش» الذي اخترق الإسلاميين، قاعدة أردوغان، ووجّه انتحارييه إلى أكراد تركيا بعد إخوتهم السوريين. فإذا نال أردوغان الغالبية، ستغرق تركيا في حرب جيشها وأكرادها، وإذا فشل سيكون «داعش» في الانتظار، لأن التنظيم الإرهابي لن يسمح باستقرار وطني تركي- كردي. وقد يصل به الأمر، كما لوّح أخيراً، إلى تفجير متاحف ومؤسسات سياحية، مكرراً جريمة فرعه التونسي الذي ضرب الدولة والمجتمع في مقتل.

سيناريو القلق هذا يخفف التوقُّعات بأن تكون مشاركة تركيا في التحالف الدولي ضد «داعش» إضافة نوعية، فالحزب الحاكم في أنقرة الذي يرغب بإصابة عصافير كثيرة بحجر واحد، ستتراجع مشاركته في التحالف إلى مجرد مطار للإقلاع والهبوط (قاعدة انجرليك) وطائرات لن تضيف سوى كمّ لا نوع. نتذكّر هنا تشديد أنقرة على عدم المشاركة في أي حرب برية.

والحال أن تركيا ومعها إيران وإسرائيل تضغط على المشرق العربي ومصر وبعض الخليج، بالطريقة التي تناسبها، ولكن، ما يجمع الدول الثلاث أنها دينية أو تطمح أن تكون كذلك: تركيا تجمع بين الدولة الأتاتوركية الحديثة والإسلام «الإخواني»، وهي تبرز الأتاتوركية أو الإسلام في الوقت والقضية المناسبين. وإيران تزاوج بين عصبيتها الفارسية وإسلامها الشيعي الذي لا يشعر بأقلّويته لغلبة الشيعة في إيران (حوالى 70 في المئة من السكان) لذلك لا يجد حرجاً في الطموح إلى قيادة عالم إسلامي، غالبيته الساحقة من السنّة.

أما إسرائيل فتواصل طلاء دولتها بصبغة يهودية من دون أن تتخلى عن هيكلها الديموقراطي الغربي الذي أسسه الاشكيناز، لتبقى دولتهم نموذجاً غربياً على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. لكن النخبة الإسرائيلية في الحكم والمعارضة ومؤسسة الجيش تعاني ضبابية في رؤية الخطر، حتى بعد انهيار المجتمع والدولة في العمق السوري والعراقي: الفلسطينيون مهيأون لقيامة مهما انحدرت بهم السبل، وخطر «داعش» متوقع في غزة، فضلاً عن إمارة سيناء الإرهابية، تلك المنذرة بتحديات لا تشبه أبداً تحدّيَي المقاومة الفلسطينية ووريثها «حزب الله».

إسرائيل تملك وقتاً كافياً لاتخاذ القرار، فمشكلة المشرق محصورة الآن في حرب سورية وارتداداتها التركية. وفي السياق، المسألة الكردية التي بدأت تؤسس نقطة خلاف بين أنقرة وطهران. وسيتأكد الخلاف إذا نجح أردوغان في الانتخابات المبكرة وانصرف إلى «تأديب» أكراد تركيا سياسياً وأمنياً: وأول الكلام الإيراني الخلافي إعلان حسن روحاني أنه سيحمي السليمانية وأربيل ودهوك. لقد رأى الرئيس الإيراني دهوك ولم يرَ دمشق، لأن حمايته الأكراد رسالة مصالحة إلى كردستان الإيرانية وإلى الأميركيين أصدقاء الأكراد وشركائه في الاتفاق النووي.

وإذا كان انهيار عرب المشرق أبرز قوة الثلاثي: إيران، تركيا، إسرائيل، فالواقع أنها قوة وهمية، فنحن أمام دول نصف دينية نصف حديثة، تفتقد روحانية الدين التي تختص بالفرد وأخلاقه وزهده، كما تفتقد الإحساس بضرورة القانون لحفظ المجتمع. وفي مثل هذه الدول النصف- نصف، لا يأمن أحد شطحات رجال الدين وضغطهم على السياسيين إلى حد الإخراج من الملّة أو التكفير، كما لا يأمن شطحات العلمانيين حين يميلون إلى الانقلاب العسكري وبناء مجتمع قائم على الأمر والنهي واحتقار التنوّع.

وفي الأحوال كلها، تبدو انتخابات تركيا المبكّرة مفترقاً لنخبة أنقرة التركية والكردية، كما للنُّخب في إيران وإسرائيل.

محمد علي فرحات

الحياة