أسطورة الكفاح المسلح… تاريخياً

بحسب السردية الرسمية المتداولة، والتي انتجتها النظم القومجية، فإن البلدان العربية تحررت من الاستعمار بفعل المقاومة المسلحة، وتاريخ هذه البلدان، في تلك الحقبة، هو تاريخ النضال المسلح ضد الاستعمار. وفي الواقع فإن هذا الخطاب الاختزالي كان غرضه الوظيفي حجب تاريخ المجتمعات العربية، وتالياً القطع مع الكفاح السياسي الذي كان يسم تلك المرحلة من تاريخها، وطمس الحقبة التي أعقبت الاستقلال، والتي اصطلح على تسميتها تجاوزاً بالحقبة الليبرالية. كما يصبّ كل ذلك في تبرير الخطابات السياسية «التثويرية» لتلك الأنظمة، لصرف أنظار مجتمعاتها عن المشكلات التي تعيشها، وتعزيز روح العداء للغرب (الاستعماري) بما هو غرب، بما يصل لمعاداة تجربته في الحداثة والعقلانية والديموقراطية، باعتبار ان كل مصائبنا تنبع من الخارج، وليس من مكامن النقص عندنا، مما تعززه وتعيد انتاجه الأنظمة الاستبدادية.

وكما شهدنا، كانت ثمة استجابة واسعة، في الأوساط الشعبية، لتلك الخطابات التي لقيت الرواج: أولاً، بسبب احتلال هذه الأنظمة لجهاز التعليم ووسائل الإعلام والفضاء العام. وثانياً، بسبب النكبة الفلسطينية وظهور إسرائيل، مع التحدي الذي مثلته للعالم العربي في هذه المنطقة. وثالثاً، بسبب تغييب الحياة السياسية، لا سيما في بلدان المشرق العربي التي تحكمت بها الايديولوجية البعثية. ورابعاً، بسبب انتشار الأمية، بمعناها الحرفي والعام ايضاً، ما جعل السياسة في هذه البلدان عملاً يتعلق بالشعارات والعواطف فقط.

ليس القصد من ذلك القول إن العالم العربي خلا من المقاومات المسلحة التي كافحت الاستعمار، وإنما القصد وضع هذه التجارب في مكانتها الصحيحة، من دون مبالغات، ومن دون توظيفات سياسية ليست في محلها.

هكذا، فإن البلدان العربية، باستثناء الجزائر، كانت حصلت على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، أي بسبب تغير الظروف الدولية، ومنها التغيرات السياسية الحاصلة في البلدان الأوروبية، وأيضاً بسبب تغير وسائل السيطرة والتحكم في العالم، من الوسائل العسكرية المباشرة الى الوسائل الإقتصادية والتكنولوجية والسياسية.

أما بالنسبة الى تجارب المقاومة المسلحة في تلك البلدان، فيمكننا ببساطة ملاحظة أن معظم مجتمعاتنا العربية، باستثناء مصر وربما تونس، لم تكن قد تبلورت على الصعيد الهوياتي، بسبب ضعف التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها، علماً انها بلدان كانت خرجت من رحم الامبراطورية العثمانية التي حكمتها لأربعمئة سنة، ووجدت نفسها فجأة تخضع للوصاية الاستعمارية، مع كل الصدمات التي نجمت عنها، وضمنها صدمة الحداثة. وعليه فإن هذه البلدان لم تستطع في تلك الفترة القصيرة والتي تعد بثلاثة او اربعة عقود، ان تنتج أو ان تبلور حركاتها وأحزابها السياسية، التي تحظى بقبول شعبي واسع، على غرار حزب الوفد في مصر، مثلاً، فكيف لها، وهذه حالها، ان تنتج حركات مسلحة إذاً؟

ومن تفحص تاريخ الكفاح ضد الاستعمار، في البلدان العربية، يمكننا ملاحظة أن تجارب الكفاح المسلح، مع كل التقدير لها، كانت محلية، أو محدودة من حيث المكان والزمان، ومن حيث الاجماع الشعبي. هذا ينطبق على حركات عبدالكريم الخطابي في المغرب (1921-1926) وعمر المختار في ليبيا (1911-1931)، وسلطان باشا الاطرش وابراهيم هنانو وحسن الخراط في سورية (1925-1937)، والثورة الفلسطينية الكبرى (1936،1939)، وعبد القادر الجزائري في الجزائر (1832-1847)، وقد احتاجت الجزائر عشرة عقود لإعلان الكفاح المسلح (1954)، علماً انه لا توجد تجارب مماثلة في البلدان الأخرى، كتونس او مصر او لبنان او الأردن او العراق أو السودان او موريتانيا او الدول الخليجية.

لنلاحظ، أيضاً، أن أياً ممن ذكرناهم، من أعلام الحركات المسلحة ضد الاستعمار (وهو ما ينطبق على قادة الحركات السياسية)، لم يستطع احتلال مكانة الزعامة في الحركة الوطنية في بلده، على غرار ما كانه هوشي منه في فيتنام، او نيلسون مانديلا في أفريقيا، او المهاتما غاندي في الهند، او سعد زغلول في مصر، أو الحبيب بورقيبه في تونس، مع كل المكانة التي حظوا بها في الوجدان الشعبي في بلدانهم. وكما ذكرت فإن السبب في ذلك يعود إلى حداثة التجربة السياسية، وغلبة المكونات ما قبل الوطنية (العشائرية والطائفية والمناطقية)، وعدم تبلور المجتمعات العربية كوحدات اجتماعية – سياسية – اقتصادية قائمة بحد ذاتها، وواعية لذاتها على هذا النحو.

ومن مراجعة تاريخ البلدان العربية، في حقبة الاستقلال، في الأربعينات، يمكننا ملاحظة ان ما من بلد تبوأت فيه حركات التحرر الوطني المسلحة السلطة، وذلك ببساطة لأنه لم توجد حركات كهذه بالمعنى الصحيح للكلمة، وأن القوى التي تبوأت الحكم، في تلك الفترة، تحدرت من المدن، وهي القوى ذاتها التي كانت تشتغل على تنظيم الكفاح ضد الاستعمار، والمطالبة بالاستقلال بالوسائل السياسية، ما يعني أن الكفاح السياسي كان السمة الغالبة في أشكال الكفاح ضد الاستعمار في البلدان العربية قاطبة، بما فيها الجزائر التي احتاجت قرناً من الزمان لاطلاق ثورتها المسلحة المعاصرة (1954-1962)، التي جاءت في ظروف عربية ودولية أمنت لها الدعم وتحقيق النجاح ونيل الاستقلال.

ومع أن السردية الفلسطينية تبدو مختلفة في هذا الإطار، لأن الصراع هنا كان يدور بين الفلسطينيين والاستعمار البريطاني ومشاريع الاستيطان الصهيوني، التي استهدفت احتلال الأرض والعمل والتاريخ والرموز، وإزاحة الفلسطينيين، إلا أن التاريخ العام للكفاح الفلسطيني كان يتسم بالصراع السياسي، باستثناء حقبة 1936-1939، بدليل ان زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية بلا منازع، في تلك الفترة، كان الحاج أمين الحسيني، وليس أياً من قادة الثورة الفلسطينية في الثلاثينات، اذ ظل هؤلاء بمثابة قادة محليين، على رغم ادوارهم الكفاحية العظيمة، وظلوا يدينون بالولاء للحاج أمين، وللهيئة العربية العليا.

حقاً لا حاجة لنا البتة لاصطناع تاريخ ايديولوجي ينطوي على المخاتلة والحجب والتلاعب والتوظيف، بدل التاريخ الواقعي، لأن التاريخ الايديولوجي عن الأمة والقومية والأمجاد التاريخية والنضالات المسلحة، لا يفيد مجتمعاتنا، لا معرفياً ولا سياسياً، ولا يساهم بترشيد نظرتنا إلى أحوالنا وعلاقاتنا بالعصر وبالعالم، بقدر ما يفيد تلك الأنظمة التي تتعيش على تغذية الأوهام في مجتمعاتها، وصرف الأنظار عن المظالم التي ترتكبها، وإحالة كل نكباتنا إلى الخارج.

 

 

* كاتب فلسطيني / سوري

ماجد كيالي

المصدر : الحياة