أصحاب الأيادي العاملة في الشمال السوري بين مطرقة الأجور الزهيدة وسندان الواقع المعيشي السيء

العمال في مناطق شمالي سورية يواجهون صعوبات معيشية نتيجة تقاضيهم أجور زهيدة

يواجه فئة العمال في محافظة إدلب وريفها ظروفاً  معيشية صعبة، نتيجة تقاضيهم أجور متدنية ولا تتناسب مع أسعار السلع والمواد الأساسية التي باتت مرتفعة جداً، حيث بات قسم كبير من هؤلاء العمال يعملون لقاء مبالغ زهيدة جداً ويتقاضون أجورهم بالليرة التركية، ورغم استبدال التعامل من الليرة السورية إلى التركية فلم يحدث أي تغير في أجورهم، مما خلق أزمة مادية كبيرة وعدم قدرتهم على تأمين حاجياتهم اليومية للعيش بسبب عدم تماشي قيمة أجورهم مع القيمة الشرائية في الأسواق بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار وعدم استقرارها بسبب تأثرها بانخفاض وارتفاع قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية

العمل الشاق لقاء أجر زهيد

يتحدث المواطن “ع.ع” للمرصد السوري وهو شاب نازح من منطقة جبل شحشبو في ريف حماة الغربي ويقيم في أحد مخيمات منطقة دير حسان في ريف إدلب الشمالي، أعود بعد قضاء 10 ساعات من العمل في إحدى ورش البناء إلى منزلي واتقاضى 15 ليرة تركية يومياً، أو ما يعادل دولارين ونصف فقط، ولكن ماذا ستفعل معي أمام أسعار المواد الغذائية والتموينية، وتكاليف المعيشية بشكل عام من مواصلات ومياه للشرب ولباس وطعام وأدوية وغيرها الكثير من الحاجيات اليومية، وتابع حديثة للمرصد، أسكن في خيمة مع 7 من أفراد عائلتنا وأعمل دون انقطاع إلا يوم الجمعة فقط، اضافة لعمل والدي في مهنة أخرى ولا نستطيع سد احتياجاتنا اليومية، فوجبة طعام واحدة لـ7 أشخاص تكلفتها هنا تقريباً 15 ألف ليرة سورية، واختتم حديثه بالقول : لا يوجد فرص عمل أفضل، و لم تتغير أجور العمال رغم علم أصحاب العمل بما نعانيه بسبب الأجور الزهيدة، ومن جهة أخرى فإن العمل شاق جداً بوقت طويل يستمر من الساعة 8 صباحاً وحتى الساعة 5 مساءاً، وحين يطالب أي أحد من العمال بزيادة أجرته يواجه بالرد ” إن لم يعجبك الأجر فاترك العمل وعد إلى بيتك” آمل أن يتحسن واقع أجور العمال حتى نستطيع فقط تأمين متطلبات معيشتنا اليومية لا أكثر ولا أقل.

الأطفال بأجساد ضعيفة مجبرون على العمل

لايختلف لحد كبير عن حال معظم العمال وأصحاب الأيدي العاملة في الشمال السوري، ولا فرق بين كبير في العمر وصغير، جميع من أجبرتهم آلة الحرب على النزوح من كبار وصغار يعانون من الاستغلال من قبل أرباب العمل وتشغيلهم لساعات طويلة وبأعمال معظمها شاقة ومجهدة مقابل مبلغ مالي بسيط لا يكفيهم لسد رمق عائلاتهم ليوم واحد

“م.خ”والذي يبلغ من العمر 16 عاماً، وهو نازح من منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي ويقطن في بلدة كفرتخاريم في ريف إدلب الشمالي، وصل به الحال لتقاضي 10 ليرات تركية أي ما يعادل دولار ونصف يومياً لقاء عمل شاق أيضاً، يتحدث للمرصد السوري في شهادته: قُتل والدي منذ حوالي عامين ونصف في غارة جوية لطيران النظام، ومنذ نزوحنا وأنا  أعيش مع والدتي وجدتي و 3 من أخوتي الصغار في منزل بإيجار 200 ليرة تركية تقريباً في بلدة كفرتخاريم في ريف إدلب الشمالي، وأعمل منذ سنة تقريباً لدى شخص من أبناء البلدة يملك سيارة لنقل وبيع مياه الشرب، بأجرة يومية 10 ليرات تركية فقط ( 300 ليرة تركية شهرياً)  ما يعادل 40 دولار أمريكي شهرياً فقط، بعمل 10 ساعات يومياً، ويتابع حديثه، طبيعة عملي هي مرافقته في السيارة أثناء بيع المياه، نذهب لتعبئة الصهريج ونقوم بتوصيله لأحد الزبائن، أقوم أنا بالصعود لسطح المنزل وسحب خرطوم الماء وثم إعادته بعد الانتهاء من تعبئة خزان الماء، ومحاسبة الزبون، نوصل العديد من الطلبات بشكل يومي، وهو عمل مجهد جداً، رفض عدة مرات رفع أجرتي بحجة وجود الكثير من العاطلين عن العمل يوافقون على العمل معه، وأن الربح قليل ولا يمكنه رفع الأجرة، وعند عودتي للمنزل مساءاً أقوم بشراء الخبز وبعض الخضار، وختم بقوله: أحاول الآن تأمين مبلغ من المال للعبور إلى تركيا والعمل هناك، حيث تختلف الأجور بشكل كبير، حتى أتمكن من تأمين متطلبات المعيشة لعائلتي، كما اتمنى أن أجد عملاً هنا أفضل حتى لا أجبر على الذهاب والابتعاد عن عائلتي

الأجور الزهيدة كان للنساء العاملات نصيب منها

العاملات من النساء أيضاً كان لهن نصيباً من هذه المعضلة، إذ تعمل الكثير من النساء في الشمال السوري بأعمال مختلفة وبأجور شهرية أو يومية زهيدة جداً أيضا، السيدة “ح.م”، وهي من بلدة “سلقين” في ريف إدلب الشمالي، تتحدث للمرصد السوري عن معاناتها نتيجة تقاضيها أجرة قليلة جداً مقابل عملها الذي تصفه بالشاق جداً “أعمل مندوبة مبيعات لأحد محلات التجميل والمنظفات، ومعي 5 موظفات أيضاً، نقوم يومياً باستلام حقيبة مليئة بمواد التجميل والعطورات والمنظفات، ويتم توزيعنا على عدة مناطق، عند وصولي للبلدة أبدأ بالسير مشياً وأدخل الكثير من المنازل لعرض بضائعي على النساء بشكل محدد، استمر على هذا النحو لمدة 8 ساعات يومياً تقريباً، مقابل نسبة معينة من أرباح مبيعاتي اليومية، فقد يتراوح أجري ما بين 10 إلى 30 ليرة تركية، رغم أن العمل شاق جداً، ويتطلب مجهود كبير حاملةً حقيبة ثقيلة، تقوم سيارة بإعادتنا بعد انتهاء العمل في الساعة 6 مساءاً، أعيش مع عائلتي التي تعاني من الفقر الشديد، فوالدي مريض ولا يوجد لدي أخوة شباب للاعتماد عليهم، وتابعت حديثها، لابد من إعادة النظر من قبل أصحاب العمل في الشمال السوري بخصوص الأجور، ورفعها بما يتناسب مع حاجات ومتطلبات المعيشة اليومية، فبعد أن تم بدء التعامل  بالليرة التركية كبديلة عن السورية، ارتفعت الأسعار وبقيت أجور العمال في جميع المهن والمجالات على حالها

لأرباب العمل وأصحاب القرار رأي مختلف

“أ.ق” صاحب ورشة بناء، في منطقة “دير حسان” في ريف إدلب الشمالي، الذي يتضح من حديثه أن يتكلم بلسان حال جميع أصحاب الورش والعمل، إذ تحدث في شهادته التي أدلى بها للمرصد السوري لحقوق قائلاً: من الطبيعي أن يكون هناك انخفاض بأجرة العمال في الشمال السوري لعدة أسباب، فعلى سبيل المثال أنا كصاحب ورشة بناء أقوم بشراء كافة مستلزمات الورشة بالدولار الأمريكي وبأسعار مرتفعة جداً وبالتالي لا يمكنني دفع أجرة كبيرة بالدولار الأمريكي للعمال في الورشة، حيث أقوم حالياً بتشغيل 6 عمال دائمين معي في الورشة، وبحال تطلب وجود زيادة في العمال أقوم بتشغيل عدد أكبر، أدفع لهم من 15 إلى 25 ليرة تركي وذلك حسب مكان العمل وصعوبته وعدد ساعاته، لا بد من وجود حل جذري ينهي معاناة العمال وبذات الوقت يكون مرضياً لأصحاب العمل ولا يكلفهم أعباء فوق طاقتهم، فأنا أعرف الكثير من أصحاب ورش البناء وأعمال أخرى مختلفة توقفوا بشكل كامل عن مصالحهم وفضلوا تركها بسبب هذه المعضلة وهي أنه وبعد العمل طوال الشهر والتعب الشديد ودفع أجور العمال يتبين لهم أن المدخول المادي قليل جداً ولا يساوي كل الجهد المبذول، ويجب التدخل من جهات رسمية تضع قوانين رسمية تكفل حقوق الطرفين

بدوره يتحدث “ح.ر” وهو مزارع من بلدة “كفرتخاريم في ريف إدلب الشمالي، في شهادته للمرصد السوري عن موضوع أجور العمال قائلا: أملك قرابة 50 دونم من الأراضي الزراعية المزروعة بأشجار الزيتون والرمان والتين والجوز، أقوم في كل عام مع بداية فصل الشتاء وبدء موسم قطاف الزيتون بإحضار عدد من العمال وتشغيلهم بأجرة يومية، خلال موسم هذا العام والعام الماضي كان هناك تراجع في الأجرة اليومية للعمال، حيث دفعت في هذا الموسم للعامل أجرة 15 ليرة تركية يومية، طبعاً الجميع يعلم أن هذا المبلغ لا يكفي العائلة أو حتى لشخص واحد، ولكن من جهة أخرى فلا أستطيع دفع أكثر من ذلك، بسبب غلاء أسعار المواد الهامة في الزراعة ورعاية الأشجار وبذات الوقت أسعار المحصول قليلة جداً مقارنة بغير مناطق، واجهت الكثير من الصعوبات والشكاوي من قبل العمال بسبب هذا الأمر ولكن لا يوجد لدي حل آخر

متوسط أجرة العامل ومقارنتها بمصروف عائلته الشهري

يتحدث أحد النشطاء في شهادته للمرصد السوري، عن متوسط أجرة العامل اليومية ومقارنتها بمتوسط مصروف عائلته الشهري، يقول: متوسط أجرة العامل اليومي في منطقة إدلب وريفها هو 15 ليرة تركية أو دولارين ونصف، أي ما يساوي 75 دولار أمريكي شهرياً، بينما تحتاج العائلة التي يبلغ عددها 5 أفراد بشكل متوسط إلى 200 دولار أمريكي شهرياً حتى تستطيع تحمل أعباء معيشتها في ظل الارتفاع الكبير بالأسعار، ومن هنا لا بد من وجود منظمات وجهات رسمية تعمل على إنشاء مشاريع من شأنها تمكين فئة الشباب ودعمهم بمشاريع صغيرة حتى تحصل العائلات على تمويل ذاتي لها وبذات الوقت يعتمد العامل أو الشاب على نفسه ومشروعه لتحصيل قوت يومه، كما تكمن الحلول الأخرى في وجود جهاز رقابي يقوم بمراقبة شؤون العمال وحقوقهم وعدم تعرضهم للاستغلال وتعريضهم للجهد الكبير مقابل أجور متدنية وخصوصاً فئتي الأطفال والنساء، ولا بد من لفت الانتباه أخيراً لمسألة غاية في الأهمية وهي أن نحذر من وقوع كارثة بحال استمر وضع العمال على هذا الحال، فهم ليسوا فئة قليلة فهناك نسبة قد تصل إلى 75% من العائلات في الشمال السوري تعتمد على عامل أو أكثر لديها، وبحال تدهور الوضع أكثر فهناك عواقب من الممكن أن تظهر آثاره على المجتمع من كثرة السرقات والسلب أو توجه فئة الشباب إلى الانحراف أو التشرد نتيجة الضغوط النفسية عليهم.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد