أطفال سورية: جيل مفقود مسلوب الإرادة منهوب الهوية.. نحو 360 طفل سورية قضوا بأعمال عنف خلال العام 2021

المرصد السوري لحقوق الإنسان
الحرّية والعدالة والسلم.. تلك أبرز المبادئ التي تنادي بها الأمم المتحدة منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، للإنسانية جمعاء أطفالا ونساءً ورجالا، وانخرطت فيه أغلب الدول في العالم إلا أن أقلية من الدول ظلت تتقيّد به، وينصّ الإعلان على أهمية توفير رعاية خاصة للطفل وفق إعلان جنيف لحقوق الطفل لعام 1924.

 

 

وتقرُّ الأمم المتحدة بوجوب الاهتمام بحقوق الطفل، حيث يحتاج، بسبب عدم نضجه البدني والعقلي، إلى إجراءات وقاية ورعاية خاصة استثنائية، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة، قبل الولادة وبعدها.

حقوق حملتها 54 مادة من “اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة – نسخة الأطفال” على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم وألوانهم وعقائدهم، حرم منها براعم سورية خاصة منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011. أبرياء لم يعوا بعدُ معنى الحرب والنزاعات، وكان من المفترض أن يعم الفرح واللعب والطمأنينة تفاصيل حياتهم، وأن تكون المدارس أولى وجهاتهم والحياة الآمنة قبلتهم، محاطين بالرعاية والمحبة والعيش بسلام وأمن، إلا أن وضعهم المأساوي وسط القصف والدمار والتشرد أفسد عليهم فرحة الحياة ليخيم عليهم الرعب والخوف، براعم سلبت منهم مبكّرا فرحة الحياة وألوانها.

وتنص المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل بشكل عام على أن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة.
ويطالب البروتوكول الاختياري الدول الأطراف بأن ” تتعاون في تنفيذ هذا البروتوكول، بما في ذلك التعاون في منع أي نشاط يناقض البروتوكول وفي إعادة تأهيل وإعادة الإندماج الاجتماعي للأشخاص الذين يقعون ضحايا أفعال تناقض هذا البروتوكول، بما في ذلك التعاون التقني والمساعدة المالية، ويتم الاضطلاع بهذه المساعدة وبهذا التعاون بالتشاور مع الدول الأطراف المعنية والمنظمات الدولية ذات الصلة ” (المادة 7).
مواد لم تلتزم بها لا قوات نظام بشار الأسد ولا التشكيلات العسكرية الأخرى المتواجدة على الأراضي السورية على اختلاف مناطق السيطرة. بل تتغاضى عن تطبيقها.

وبالرغم من أن أطفال سورية صغار على الفطرة، صغار على المآسي والدمع، إلا أن ما يعيشه البلد جعلهم كبارا حاملين مسؤولية فاقت طولهم وحجمهم وسنهم، جعلهم يقفون في الخطوط الأمامية في مواجهة أخطار حياتهم الكئيبة أصلا، ويتحمل ثلثهم الجزء الأكبر من تلك المأساة المستمرة، حيث توالت التقارير التي لفتت إلى خطورة التأثيرات السلبية للحرب في سورية على الأطفال على جميع المستويات.

ووثّقت إحصائيات المرصد السوري لحقوق الانسان، استشهاد 359 طفلا دون سن الثامنة عشرة منذ مطلع 2021، حيث استُشهد 137 طفلا في انفجار ألغام وعبوات ناسفة، و14 طفلا برصاص مجهولين، فيما قتل 73 طفلا برصاص وقصف قوات النظام، و19 طفلا في ظروف وأساليب مختلفة منها خلافات عائلية وعشائرية ورصاص عشوائي، واستشهد 7 أطفال على أيدي تنظيم “داعش”الإرهابي، و9 أطفال قضوا في ظروف مجهولة، فيما راح 61 طفلا ضحية تردي الأوضاع الصحية، و4 أطفال في انفجار آليات مفخخة، وقتل 8 أطفال على أيدي حرس الحدود التركي “الجندرما”، و4 أطفال على يد قوات سوريا الديمقراطية، و10 أطفال بقصف تركي، وطفلان على يد الفصائل، و7 أطفال بقصف روسي وطفل على يد الجهاديين، و3 أطفال نتيجة الاستهدافات الإسرائيلية.

أرقام تدلّ على هول المأساة والضرر الذي لحق ببراعم سورية ومستقبلها، بعد أن حُرِمُوا من حقّهم في الحياة وشُوِهت براءتهم وتُرِكوا بين ركام الحرب والقصف واليتم دون أب أو أم ودون عائل وسط حاضر حالك السواد ومستقبل غامض يعج بالغيوم، بسبب الفقر والحرب والصراعات التي نتج عنها حرمان البراعم من الرعاية بمختلف أشكالها والعيش الآمن وسبّب لثلث أطفال سورية أوضاعا حرجة ولا نلمس تدخلا عاجلا خاصة ممن يتشدقون بالدفاع عن حقوق الطفل ومن يتاجرون بمآسي هؤلاء ودموعهم.

والاستهداف، وترتعش أياديهم بردا في شتاء قارس وهم في مخيمات من سقف بلاستيكي ينتظرون حالا يتغيّر إلى الأفضل، بعد أن خذلهم هذا العالم الأخرس الذي اكتفى بالتنديد والوقوف على حافة الوضع غير مبالٍ وغير مستعد لإيجاد الحل بل فرضه لصالح هؤلاء الضحايا، ضحايا السلطة والمعارضة والفصائل التي اختارت قوة السلاح وسياسة العنف والقتل، ضحايا مصالح دولية وإقليمية لا يفقهونها ولا تستوعبها براءتهم.

لم تقتصر معاناة أطفال سورية على الخوف من الموت في كل ثانية يسمعون قصفا، ولا من فقدان هوية وانتماء، وجوع جعل أجسامهم الوهنة أكثر تأثرا وتقبلا لكل الأمراض، ولا من حرمانهم من التمدرس وحمل محافظهم وارتداء زيّهم الرسمي للاتجاه نحو المدارس، بل بلغت مرحلة الزج بهم في الحرب والنزاع المسلح وتجنيدهم وتدريبهم على حمل السلاح والانضمام إلى فصائل وتنظيمات بتعلة حماية الأرض والعرض، وهي أساليب شوهدت منذ سنوات وكان المرصد قد فضحها للعالم وحذّر من استخدام ورقة الأطفال في صراعات لا يد لهم فيها ولا ساق.

تلك الحرب صنعت جيلا مهمّشا لا يعرف من الحياة إلا السلاح والقصف والثأر وساحات القتال، وسعت جهات كثيرة في ساحات الحرب المجنونة إلى سلبهم وطنهم ورسمه في صورة سوداوية لا لون فيها ولا طعم برائحة الدم والموت ودموع اليتامى والثكالى.

فكم هو مؤلم أن يولد الطفل في بيئة متّسخة بنار الحرب والكراهية والانقسام والحقد الأيديولوجي والطائفية! وكم هي مأساة مدمرة أن يتغذّى الطفل منذ حوله الأول دموع، والديْن غير قادرين على منحه حقه في الحياة الآمنة المستقرة وتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة من منزل يأويه من حر الصيف وبرد الشتاء ولقمة تسّد جوعه!

والأكثر إيلاما أن ينشأ الطفل في بيئة بلا عنوان أوقيمة لا يستطيع فيها عيش طفولته أو التعلم، في أسرة نازحة أو لاجئة بسبب الحرب، ويواصل حياته في صراع نفسي داخلي واضطراب وتساؤلات عن مآسيه وتشرد أسرته.. فضحايا اليوم سيكونون أسلحة مدمرة توجه نحو المتسببين في تلك النزاعات والفوضى التي قضت على أطيب أيام حياتهم وانتزعت البسمة من شفاههم واغتالت أحلامهم للعيش كبقية أطفال العالم.

وزاد الوضع الاقتصادي المتردّي في تراكم البؤس والمعاناة نتيجة النزاع والعقوبات المستمرة من عديد الأطراف ليجد كثيرون أنفسهم مجبورين على دخول سوق الشغل في سن مبكّرة تحت سياط الإستغلال والإكراه.
في حين ينخرط بدون وعي في النزاع المسلح عبر تجنيدهم في التنظيمات، سيما مع تأخّر متعهدي الرعاية عن تقديم الدعم وإنقاذهم وتسهيل التحاقهم بالمدارس.

وقد لمس أحد الباحثين اللبنانيين عين الحقيقة، بوصفه الجيل الذي أنتجته الحرب السورية بـ” الجيل المفقود”، هذا الجيل الذي ولد في أثناء الحرب وعاش طفولته في اللجوء والنزوح، جيل يفتقد أبسط مقومات الحياة الكريمة، مع التذكير في ذات الوقت بوضعية الأطفال الصعبة وعائلاتهم في مناطق النزاعات خاصة أنهم مستهدفون أكثر للتجنيد والإستغلال ويعانون الحرمان والتهجير والجوع.

كما لايمكن أن نغفل عن مأساة الأطفال في مخيم الهول الذي يضم عائلات تنظيم”داعش” الذين هم بدورهم ضحايا الحرب، ويشكلون قنابل موقوتة قادرة على الانفجار بعد تشبعهم بالفكر التكفيري الإرهابي، حيث يستحق وضعهم التدخل العاجل عبر انتشالهم من ذاك الجحيم أولا، ومن ثم العمل على إعادة تأهيلهم وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية لاعتبار الوضع الدقيق الذي تمر به سورية وضماناً للمحاسبة العادلة لعائلاتهم بما يتناسب مع القوانين الدولية لحقوق الإنسان بعيدا عن الانتقام والعنف.

ويشدّد المرصد على أهمية حماية الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة، وتوفير الرعاية الكاملة لهم بحسب ما تضمنه الاتفاقيات الدولية.
ويحذّر من استغلال الأطفال في النزاعات كوقود حرب ومن حرمانهم من حقهم الإنساني في الحياة بأمان ومن التعليم كحق كوني، ويحمّل جميع الأطراف المتصارعة منذ عقد من الزمن مسؤولية الوضع السيّء الذي آلت إليه أوضاع الأطفال والنساء باعتبارهم الحلقة الأضعف في كل المجتمعات.
ولا ينسى المرصد كمنظمة مهتمة بحقوق الإنسان وداعمة لكل الحقوق الإنسانية الكونية التذكير بأن حقوق الأطفال في سورية تنتهكها كل الأطراف التي تتلاعب بحق الطفل في العيش وتتعمّد قصف مدرسته حتى تحرمه من حقه في التعليم وتتغاضى عن استغلال الأطفال جنسيا واقتصاديا لمعرفة أرباب العمل المسبقة بالظروف الصعبة التي يمر بها القاصر ما يضطره إلى العمل لإعالة عائلته العاجزة عن توفير اللقمة.
ويدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ التدابير الملموسة التي من شأنها أن تحسّن مصير الأطفال في سورية، ويعبّر عن تمسكه بمتابعة الواقع الإنساني برغم كل المخاطر من أجل الانتصار للقضايا الإنسانية ولقضايا الشعب السوري المؤمن بالحرية وبضرورة التغيير بما يتماشى وأحلامه في بلد ديمقراطي يؤمن بالتعددية والتداول السلمي على السلطة وينبذ العنف والكراهية.