أطفال سورية: طفولة في مهبّ حرب وعالم أخرس يتغاضى عن جميع الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال على اختلاف مناطق السيطرة

المرصد السوري يجدد دعوته لحماية حقوق الأطفال وتحييدهم عن الأعمال العسكرية

إن أردت أن تعرف مستقبل أمة ما، بغض النظر عن حاضرها وماضيها، فانظر إلى أطفالها، فالأطفال هم البذرة الهشة التي تكمن الحياة داخلها، ومن خلال أفكارهم ومعتقداتهم تستطيع تحديد مصير أي أمة مهما عَظُمت إنجازاتها وانتصاراتها الحالية.

واليوم وبعد مرور 11 سنة على الأزمة السورية بات من الصعب التنبؤ بمستقبل مشرق في هذه البلاد، فالطفل في سورية يلهو بفوارغ الرصاص بدلاً من الألعاب الصغيرة، ويرسم بدماء والده على جدار منزلهم المتهاوي بدلاً من الكراسة والريشة والألوان، ولم تعد مهنة الطب أو الهندسة هدفا له بل هدفه اليوم أن يحمل سلاحاً حتى يهابه الجميع، لتكون هذه الأحلام والأماني انعكاساً للسموم التي اجتاحت عقول أطفال سورية على مدار عقد كامل.

واقع الطفل السوري
كم كنا نتمنى لو أن الأموال التي أنفقت على عمليات التسليح وعلى المساعدات الإنسانية المحدودة وعمليات البحث والدراسة في سورية أُنفقت على تطوير البلاد وتحسين وضعها التعليمي والاقتصادي، إلا أن رحى الحرب وأطراف النزاع أبوا أن يسمحوا بذلك، لتصدر العديد من التقارير بعد عشر سنوات من الحرب تحمل معها الكثير من الآلام والمآسي، وقد أفادت تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأنّ 25370 طفلا استشهدوا منذ بداية النزاع عام 2011 توفي من بينهم 339 طفلا دون سن الثامنة عشرة في سجون النظام منذ بداية النزاع فضلا عن استشهاد الآلاف بين المخيمات وفي منازلهم ومدارسهم.. إنّها صورة مأساوية لأطفال سورية، حيث أصبح الحق في الحياة الذي تضمنه القوانين الدولية مستباحا على أيدي من تلطّخت أياديهم بدماء الأبرياء.

وطالما حذّر المرصد السوري أيضا من ظاهرة تجنيد القصّر للقتال في صفوف التنظيمات المسلحة والمتطرفة، لتصبح سورية أكبر دولة مجنّدة للأطفال في العالم وقد استخدمت الفتيات أيضا في حرب التجنيد، فضلا عن استخدامهن كمخبرات وجواسيس وعبيد منزليين.

وهنا يجدر التذكير بأنّ تصنيف سورية أكثر دول خطورة على الأطفال عام2019 لم يأت من فراغ بل كان للتصنيف الأرضية المتاحة من ارتفاع لنسب العنف ضد الأطفال وتزويج القاصرات والزواج القسري وحرمان هذه الفئة من حقها في التمدرس بل حرمانها من الحياة بأمان وهو أبسط مقوّم للعيش، وجعلها فئة لاجئة نازحة مهاجرة لا أمل لها في حاضر ولا في مستقبل.

أطفال بحاجة إلى المساعدات الإنسانية
يحتاج 90 % من الأطفال السوريين إلى المساعدة الإنسانية وفق تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في مطلع هذا العام، والمحزن في الأمر أن هذه النسبة في ازدياد عاماً بعد عام، وقد كشف التقرير عن أن أكثر من مليون طفل سوري يعاني من التقزّم الناتج عن سوء التغذية، وأكثر من ثلاثة ملايين طفل منقطعون عن الدراسة.

وكانت تقارير اليونيسيف قد أكدت أيضا أنّ عدد الأطفال اللاجئين في الدول المجاورة – التي تستمر في استضافة 83 في المائة من إجمالي عدد اللاجئين السوريين على مستوى العالم–وصل إلى 2.5 مليون لاجئ منذ عام 2012، مما جعل الأطفال يعيشون وسط ضغوطات وصعوبات أثرّت على صحتهم النفسية والجسدية.

معاناة كبيرة ضمن مختلف مناطق السيطرة
ويعاني أطفال سورية من معوقات كبيرة جداً ضمن مختلف مناطق السيطرة، ففي مناطق النظام يعاني الكثير من الأطفال من الحرمان من الدراسة واستغلالهم في أعمال شاقة من قبل أرباب العمل إضافة إلى انتشار ظاهرة التسوّل في صفوف هذه الفئة الهشّة لتوفير لقمة العيش.

وكان للازمة الاقتصادية الخانقة وتأثيرات العقوبات الدولية التي فُرضت وتضرّر منها الشعب فقط دورا في صعوبة توفير الحدّ الأدنى من مستلزمات الحياة التي عجزت الأسر في تلبيتها بسبب البطالة وغياب موارد العمل نتيجة إغلاق المؤسسات أبوابها تأثّرا بالأزمة، زاد سوءا تقهقر الليرة السورية الأمر الذي دمّر المقدرة الشرائية للسوريين وجوّعهم.

كلها عوامل تأثرت بها هذه الفئة التي وجدت حاضرا سوداويا لا يتوافق وطموحها بمستقبل جيّد.
وزادها ذلك سوءا استغلال الميلشيات الإيرانية للأطفال عبر بعث ‘جمعيات’ خيرية وأخرى تختص بالكشافة تدّعي تقديم الدعم لتلك الفئة من خلالها في إطار مخطّط توسعي ممنهج وتجنيد مسرطن لهذه الفئة عبر أساليب متعددة على غرار ما قامت بها في العراق ولبنان أيضا، هو مخطّط بعيد المدى يستهدف الأطفال وطالما حذّر المرصد السوري لحقوق الإنسان منه ومن نتائجه السلبية على مستقبل البلد ووحدته.

ونجدّد في المرصد تحذيراتنا من استراتيجية إيران لاستقطاب الأطفال والشباب وتجنيدهم كونهم أساس أي مجتمع وحاضره ومستقبله.

وفي مناطق هيئة تحرير الشام والفصائل في إدلب والأرياف المحيطة بها، الوضع كارثي بما يخص الطفولة بعد أن شردت الماكينة العسكرية للنظام وروسيا الأطفال وعوائلهم من مناطقهم وانحسر تواجدهم ضمن بقعة جغرافية صغيرة جداً يقطن الكثير منهم في خيام أكثرها بدائية الصنع ومنقطعون عن التعليم متوجهين إلى العمل لمساعدة ذويهم، فضلاً عن عمليات التجنيد التي أشرنا لها مراراً لصالح المجموعات الجهادية وأبرزها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً).

أما مناطق نفوذ الإدارة الذاتية شمال شرق سورية، فظل الوضع خطر وذلك بسبب الخوف والصدمات التي يتعرض لها الأطفال يوميا جراء التصعيد الحقيقي والإعلامي بعمليات عسكرية تركية جديدة تفضي إلى هجرة جديدة بعد أن تم تهجير أهالي “غصن الزيتون ونبع السلام” وحرمان الأطفال من العيش بمناطقهم ومنازلهم بسلام.

وتحدثت تقارير المرصد مرارا عن خطورة إقحام القصّر في الصراعات وقد كان لهم نصيب كبير من المعاناة والاستغلال في الحرب المستمرّة في البلاد وتجسّدت في صورٍ عدّة أبرزها التجنيد المستمر من الشبيبة الثورية للزجّ بهم في مقدِّمة الصراعات بين الأطراف المتناحرة على الأرض السورية وتهجيرهم قسريا عن أرضهم، إنّها صور من مأساة فئة تنتظر الخلاص والسلم والسلام، تنتظر انتصارا للحوار للعودة إلى مقاعد الدراسة والعيش بحريّة وسلام بعيدا عن صوت القصف والسلاح وبعيدا عن العنف والدم والفوضى.

ولطالما حذّر المرصد من استمرار الفصائل الموالية لتركيا في تجنيد الأطفال والزجّ بهم في الصراعات مع قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية في المعارك، فضلا عن إرسالهم للقتال إلى جانب القوات التركية المنتشرة في ليبيا.

ونبّه المرصد مرارا من ارتفاع وتيرة تجنيد الأطفال من قبل ما يسمّى بالشبيبة الثورية وتحريضهم على الاعتداء على مقرات أحزاب وجهات رسمية والقيام بأعمال تخريبية ما تسبّب في استياء كبير في الشمال وتشكيات كثيرة من قبل الأهالي الذين تم اختطاف أبنائهم والزجّ بهم في هذه المخططات الخبيثة والخطيرة.

ولطالما ذكّرنا بأن الفقر والخصاصة كانا من أسباب تجنيد الأطفال في مختلف المناطق.

 

أطفال بلا هوية
بسبب الصراع الدائر حُرم آلاف الأطفال من حقّهم في تسجيل بياناتهم الرسمية لدى الدولة السورية بسبب ولادتهم خارج مناطق سيطرة النظام أو في المخيّمات أو بسبب مقتل الأب، في ضرب للقانون الإنساني قبل القانون المحلي أو الدولي، وفي صورة سيترتّب عنها خلق لجيل أمّي لا يقرأ ولا يكتب بسبب حرمانه نتيجة هذه الخطوة من الدخول إلى المدرسة في السنّ القانونية المخصصة لذلك، سيما وان إحصائيات الأمم المتّحدة قد بيّنت أنّ حوالي 2.45 مليون طفل في سورية و750 ألف طفل سوري إضافي في الدول المجاورة لا يذهبون إلى المدرسة، 40 في المائة منهم من الفتيات، وهو رقم فظيع يمسّ جيلا كاملا تربّى على صوت السلاح والقتل ولون الدمّ من الممكن أن يتفجّر عقائديا وفكريا في أي لحظة خاصة مع انتشار الأفكار القتالية بين الأطفال بصفة مفزعة ومرعبة.

ويؤكد المرصد السوري أنّه برغم القوانين الدولية والاتفاقيات التي انخرطت فيها سورية إلّا أن الوضع لا يزال مأساويا حيث يتعرض الأطفال لكل أشكال التنكيل والتعنيف والحرمان ويتم استغلال هذه الفئة الهشّة بسبب غياب الرقابة وضعف المشرّع بل سيطرة تجّار الحروب والمليشيات على كل مفاصل الدولة، في بلد بات الإنسان فيه مستباحا.

ولو أردنا عرض جميع الإحصائيات التي تتكلم عن حال الطفل السوري فلن ننتهي عند هذا الحد، إلا أن الخطر الحقيقي لا يمكن فقط في الصراع المسلح المباشر وإنما في الآثار التي ستنتج عنه فيما بعد، وطالما أطفال سورية اليوم في خطر فبالتأكيد لن يسلم المستقبل من هذا الخطر.

وفي خضم هذا الوضع المأساوي المتواصل، نجدّد في المرصد:

-مناصرتنا لقضايا حقوق الأطفال
– ضرورة النأي بهذه الفئة الهشّة عن كل الصراعات والخلافات وإبعادها عن التجنيد
– محاكمة مجنِّدي وجلادي الاطفال
– إعادة تشييد المدارس التي قصفت في أثناء فترات الحرب
-مساعدة الاطفال المتضررين من الصراع لتجاوز الأزمات عبر بعض منصات رقمية تعتني بتلك الفئة مجانيا
-نجدّد في المرصد تأكيدنا أنّم أن الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي شرط أساسي لإعادة هيكلة جيل منهك مدمّر نفسيا واجتماعيا
-التسريع في إعادة هيكلة هذا الجيل الذي تربّى على صوت المدافع والقتل.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد