أفق تسوية قريب فى سوريا؟!

الصراع فى سوريا هو بالوقت نفسه أهلى وحوكمى، أى حول منظومة الحكم فى الدولة، وبالوكالة بين دولٍ خارجيّة. بالتالى لا يُمكِن التفاوض حوله على أحد هذه المستويات وحده دون المستويات الأخرى.
• • •

 

 

واضح أنّ المستوى الخارجى هو الحاسم، خاصّة أنّ عدّة جيوش أجنبيّة تتواجد اليوم صراحةً على الأرض وإن كانت لا تتحارب مباشرةً. وإذا ما كانت هناك تسوية فإنّ بقاء هذه الجيوش يرتبط بمفاوضات بينها وبأجندات تخصّها تحديدا، أكثر منه نتيجة تفاوض بين «سوريين». إلاّ أنّ هذه الدول توافقت على قرار مجلس الأمن رقم 2254 عام 2015 كإطار للتفاوض حول المستويين الأهلى والحوكمى دون الإشارة بالمناسبة إلى وضع القوى الأجنبيّة المتواجدة سوى ضمنيّا عبر التأكيد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليميّة.
صحيح أنّ هناك فارقا قانونيّا دوليّا بين التواجد العسكرى الأجنبى الشرعى، أى بموافقة الحكم السورى الحالى، والآخر غير الشرعى. لكنّ كما فى حالة الاحتلال غير الشرعى للجولان، يتطلّب انسحاب القوى الأجنبيّة توافقا دوليّا قويّا، وربّما قرارا خاصّا من مجلس الأمن يَحسم من يبقى من تلك القوى الأجنبيّة لضمان «التسوية السوريّة» ومن تسحب جيوشها. هذا دون الإشارة إلى ضرورة معالجة الدعم الذى تحصل عليه القوى المحليّة من دولٍ بعينها حتّى دون تواجد قوّات لها.
هكذا ركّز القرار 2254 وإطار التفاوض الذى ترعاه الأمم المتحدة على الجانب الحوكمى، أى وقف القتال ومكافحة الإرهاب وإعادة بناء أسس الدولة عبر عمليّة سياسيّة تتوافق عليها الأطراف السوريّة.
اللافت أنّ هذا القرار الأممى الذى صدر يوم كانت «داعش» تسيطر على مناطق واسعة فى سوريا ترافق مع حربٍ خيضت بالتوافق بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة خلال أكثر من سنتين وأدّت للقضاء على هذه السيطرة والوصول إلى تماسٍ معيّن بين الأطراف الحليفة لكلّ منهما على ضفاف الفرات. وتمّ بعدها تدريجيّا، عسكريّا أو بالتفاوض، تقليص هيمنة «الفصائل المعارضة» حول المدن السوريّة الكبرى وفى الجنوب والشمال الغربى. كذلك تدخّلت تركيا مباشرةً وأرست هيمنة مباشرةً فى مناطق شماليّة، خاصّةً حول عفرين وتل أبيض، و«تأقلمت» معها كلٌ من أمريكا وروسيا. هذا بالإضافة إلى هيمنة ميليشيات مدعومة من إيران على مناطق، خاصّة حول دير الزور. هكذا انتهى الأمر لتقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق نفوذ مع انخفاض ملحوظ فى وتائر القتال والضحايا.
بالمقابل، لا تزال فوضى الميليشيات قائمة فى المناطق الثلاث. وداعش الإرهابيّة ما زالت متواجدة كما تنظيمات أخرى، فى حين أضحى لجبهة النصرة (المنصوص عليها إرهابيّة فى القرار 2254) «حكومة إنقاذ» وتتعامل معها – مرغَمة ــ حتّى المنظّمات الدوليّة التى تأتى بالمساعدات.
• • •
يبقى التساؤل عمّا إذا كان هذا التقدّم على الصعيد الميدانى يفتح المجال لتسوية «سياسيّة» دون تقسيمٍ للبلاد؟ واللافت هنا أنّ «قوّات سوريا الديموقراطيّة» (قسد) قد أنشأت «شبه دولة» فى الشمال الشرقى بدعمٍ من الولايات المتحدة ودولٍ أخرى مع «دستور» خاصّ بها، وسلطات تشريعيّة وتنفيذيّة، بما فى ذلك من مكاتب تمثيل فى الخارج. هذا فى ظلّ غياب «قسد» عن مفاوضات جنيف الأمميّة و«اللجنة الدستوريّة». هذا التفاوض الحاضر/الغائب ربّما هو الأساس لحلّ سياسى حوكمى، الذى يتّضح أنّ قسد توجهه لنوعٍ من الفدراليّة ربّما على شاكلة العراق ما بعد الغزو الأمريكى والمشاكل التى طرحها. وتملك قسد أوراقا أساسيّة فى هذا التفاوض من حيث كونها قوّة منظَّمة تهيمن على موارد نفطيّة وأراضٍ زراعيّة شاسعة، مدعومة مباشرةً من الولايات المتحدة، رغم مخاوف انسحابها. ولكنّ «قسد» تدرك أيضا أنّ نهاية التفاوض لن تتمّ دون قبولٍ من تركيا ومن العراق وإقليمه الكردى.
معضلة التفاوض أصعب بالنسبة للشمال الغربى. إذ إنّ القوى العسكريّة هناك تحت السيطرة التركيّة المباشرة، وبالتالى خضعت للتوافقات الروسيّة ــ التركيّة التى جرت فى الأستانة وسوتشى. هذا عدا «هيئة تحرير الشام» التى حافظت على نوعٍ من الاستقلاليّة والمناورة، خاصّة مع تركيا والولايات المتحدة. ما يعنى أنّ مضمون التفاوض بالنسبة للأولى هو بين تركيا من طرف وبين روسيا وإيران والسلطة السوريّة من طرفٍ آخر. وما يطرح أيضا التساؤل عمّا إذا كان التفاوض «السياسى» مُمكنا ومقبولا دوليّا مع الطرف الثانى، أى «هيئة تحرير الشام» وحكومة إنقاذها؟ واللافت أنّ لا توافق دوليا للإجابة على هذا السؤال أو لتغيير معطياته على أرض الواقع.
إلى جانب هذه التفاوضات الرئيسيّة، تبقى هناك «اللجنة الدستوريّة» ومكوّناتها، بما فيها «هيئة التفاوض» التى تحصل على دعمٍ من بعض الدول. واضحٌ أنّ صيغة «هيئة التفاوض» تمثّل القوى الإقليميّة المتدخّلة فى الملفّ السورى، بما فى ذلك قطر التى قامت برفع معنويّاتها مؤخّرا بعد أن فقدت الكثير من الدعم الشعبى لها حتّى من قبل أشرس معارضى السلطة السوريّة الحاكمة. كلّ ذلك فى ظلّ تناقض جوهرى بين رفض الدول الداعمة لشرعيّة النظام القائم فى دمشق ودفع «هيئة التفاوض» للتفاوض معه، وبين قدرة السلطة القائمة على تنفيذ التزاماتها فى حين لا حول ولا قوّة لا لـ«هيئة التفاوض» ولا لمكوّناتها لفرض أى التزامات.
رغم ذلك، يبقى أنّ التفاوض السياسى يُمكِن أن يعمل على مبادئ دستوريّة تحاول معالجة مستويى الصراع الأهلى والحوكمى أو أن يشكِّل على الأقلّ إطارا لمبادرات «خطوة مقابل خطوة» تخفّف من الاحتقان الأهلى بين العُنف المُفرِط للسلطة والإجرام المستشرى والكارثة المعيشيّة التى يعيشها السوريّون فى جميع المناطق نتيجة العقوبات وهيمنة أمراء الحرب. يبقى أنّ السلطة السوريّة لا تتفاوض حقّا مع المعارضين أو المجتمع المدنى بل مع الدول الخارجيّة الفاعِلة.
إنّ واقع الأرض يُسابق زمن تفاوض «اللجنة الدستوريّة» مع العمل على إرساء «الحكم الذاتى» فى الشمال الشرقى وإجراءات الدمج التركى فى الشمال الغربى، مقابل إمكانيّة تفجّر أزمات اجتماعيّة وأهليّة حتّى ضمن المناطق الثلاث، بين الطوائف والانتماءات، وبين النازحين والمقيمين، فى ظلّ التدهور المستمر للأوضاع المعيشيّة وتداعيات الأزمة اللبنانيّة التى لم تنتهِ. هذا عدا الأطراف التى لا مصلحة لها فى أى استقرارٍ كان فى سوريا والمشرق العربى، خاصّة إسرائيل.
وللأسف يبقى مآل جميع هذه التفاوضات، المفترضة سوريّة، معلقا بإمكانيّة التوافق الدولى مع إيران وبالصدام بين روسيا والولايات المتحدة وأوروبا حول أوكرانيا وبالهوّة المفتوحة بين الخليج والدول العربيّة الأخرى وغير ذلك… فى مواجهة ما يجرى، يبقى الأهمّ أن يستمر السوريّون بالعمل على إبقاء الروابط التى تجمَعهم… قويّة رغم الأقدار

 

 

 

الكاتب: سمير العيطة – المصدر: بوابة الشروق

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد