أكراد سوريا يستفيدون من “فخّ” النظام للمعارضة!

1573991374649941_syria

لم تكن علاقة النظام السوري البعثي بالأكراد (1) جيّدة في أيّ يوم من الأيّام. ومحاولات إثبات الذات التي قام بها الأكراد في الماضي القريب، وتحديداً في العام 2004 إثر حادثة القامشلي(2)، وفي العام 2008 إثر أحداث عيد النيروز (3)، واجهها النظام بقسوة كبيرة، معتبراً إيّاها “محاولات تمرّد وإنشقاق عن الدولة”. ومع إندلاع الأزمة السوريّة، شارك الأكراد بخجل في التظاهرات المناهضة للحُكم، خاصة وأنّ النظام عمد في تلك الفترة إلى تجنّب التصادم معهم. وهو ذهب أبعد من ذلك، حيث أقدم على سحب قوّاته الأمنيّة بشكل واسع من المناطق السورية ذات الأغلبيّة الكردية، في محاولة منه للإيقاع بين الأكراد والمعارضة السوريّة المسلّحة. فالنظام السوري الذي كان لا يَسمح للأكراد بتعلّم اللغة الكردية في أيّ مدرسة، ويَمنع نشر أيّ صحيفة أو مجلة أو كتاب باللغة الكردية، ترك أمن المناطق الكرديّة لميليشيات حزبيّة ضعيفة تشكّلت على عجل، في خطوة وُصفت في حينه بأنّها “فخّ” مدروس من قبله، لدفع المعارضة المسلّحة إلى محاولة السيطرة على هذه المناطق، وهو يُدرك الحساسيّة القوميّة والإتنيّة للأكراد الذين لا بد وأن يواجهوا هذا الأمر بالقوّة. وبالفعل هذا ما حصل أخيراً، عندما راحت ميليشيات إسلاميّة مسلّحة توسّع سيطرتها على ريف القامشلي الجنوبي خلال الأشهر القليلة الماضية. وبالتالي، بعد فترة مهادنة بين الميليشيات الكردية التي تدرّب بضع آلاف من أفرادها في الفترة الأخيرة في إقليم كردستان العراقي، ومسلّحي “جبهة النصرة” وتنظيم “دولة العراق الإسلاميّة”، قرّرت الوحدات الكردية المسلّحة مواجهة “الإسلاميّين المتشدّدين”.
وبعد سلسلة مناوشات خفيفة، قامت مجموعة كرديّة مسلّحة بالسيطرة بشكل كامل على منطقة “رأس العين” في الأسبوع الماضي. ودارت إشتباكات عنيفة في محيط بلدة “تل كوجر”، سرعان ما توسّعت إلى مناطق أخرى، منها مثلاً قرى “تل علو” و”كرهوك” و”علي آغا” ومدينتي “تل أبيض” الحدودية مع تركيا و”تل كوجر” المحاذية لمعبر حدودي مع العراق. ونجح المقاتلون الأكراد في طرد المسلّحين الإسلاميّين من العديد من المناطق في الشمال السوري. وأظهرت المعارك بين الأكراد والإسلاميّين المتشدّدين عزم الفصائل الكرديّة المنوّعة على مواجهة أيّ دخيل على “مناطق نفوذها الناشئة”، وأثبتت قدرة عسكرية ميدانية لم تكن تتمتّع بها هذه الفصائل في فترة القمع قبيل إندلاع الإنتفاضة في سوريا.

ويمكن القول إنّ الأكراد في سوريا إستفادوا من التراخي المتعمّد إزاءهم من قبل النظام منذ سنتين ونيّف حتى اليوم، لتقوية أحزابهم من الناحية العسكريّة، ولتنظيم صفوفهم سياسياً وأمنياً. وهم يخطّطون حالياً لإنشاء كيان خاص متأثرين بتجربة نظرائهم في “كردستان العراق” (4). وتزامن التقدّم العسكري للأكراد مع تطوّر سياسي مهم تمثّل بعقد رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، إجتماعاً في “أربيل” أخيراً، حضره ممثّلون عن 39 حزباً وهيئة سياسية وإجتماعيّة، يمثّلون الأكراد في كل من العراق وسوريا وتركيا وإيران. وهدف الإجتماع إلى تمهيد الطريق لعقد مؤتمر قومي لأكراد الدول الأربع المذكورة، ولوضع إستراتيجية مشتركة وأرضيّة عمل موحّدة، على طريق حصول الأكراد على حقوقهم في المنطقة. وليس سرّاً أن بارزاني يدعم قضايا الأكراد في المنطقة بشكل قوي، في محاولة منه للعب دور إقليمي واسع.
ويمكن القول في النهاية إنّ أكراد سوريا الذين يبلغ عددهم نحو مليوني نسمة، ويتركّز إنتشارهم في مناطق حدودية مع كل من العراق وتركيا، قد يعمدون إلى إستغلال غياب السلطة المركزيّة في سوريا حالياً، لتحضير نواة كيان عرقي مستقل. وإذا كان بعض المحلّلين يستبعدون في ظل المعارضة التركيّة للفكرة، ورفض النظام السوري السماح بتفكّك سوريا فدرالياً ولو بعد حين، فإنّ محلّلين آخرين يؤكّدون أنّ مشروع تقسيم المنطقة إلى كيانات مذهبية وعرقية وإتنيّة مستمر… وبنجاح منقطع النظير!

 


(1) يشكّل أكراد سوريا نحو 10 % من إجمالي الشعب السوري، وهم بأغلبيتهم من المسلمين السنّة، وبعضهم من اليزيديّين، في حين أنّ قلّة محدودة منهم موزّعة بين المسيحيّين والعلويّين.
(2) إثر إشكال خلال مباراة لكرة القدم بين مشجّعين أكراد وآخرين، تدخّلت قوات الأمن السوري وفضّت الإحتجاجات الكرديّة بالنار، ما أوقع أكثر من 150 شخصاً بين قتيل وجريح، الأمر الذي أثار تظاهرات غاضبة في مختلف مناطق إنتشار الأكراد في سوريا.
(3) قتل عدد من الأكراد في إحتكاكات مع قوات الأمن بخلفيّة عرقيّة خلال إحتفالات عيد النيروز، الأمر الذي أثار إحتجاجات واسعة من جانب أكراد سوريا.
(4) يعتبر الدستور العراقي الجديد “كردستان العراق” كياناً إتحادياً، وهو يعترف باللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية. ويتكوّن إقليم “كردستان العراق” من ثلاث محافظات هي: دهوك وأربيل والسليمانية، ويمتد على مساحة 40,000 كلم. مربّع، ويسكنه نحو أربعة ملايين شخص. ويتمتّع هذا الإقليم بقوّة عسكرية ومالية وبحضور سياسي جيّد.

النشرة