أنقرة… والمصالحة مع الأسد

يخطئ من يظن أن الانعطافة التركية في طريقة تعاطيها مع الملف السوري قد بدأت مع إعلان وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو عن اجتماع جمعه مع وزير خارجية النظام فيصل المقداد على هامش اجتماع حركة عدم الانحياز الذي عقد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بالعاصمة الصربية بلغراد, أو أنها حصلت بعد تصريحات متتالية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والتي تحدّث فيها عن إمكانية لقاءه مع الأسد, وأن سياسة صفر مشاكل التي بدأتها أنقرة مع مصر ولحقت بها الإمارات والمملكة العربية السعودية قد وصلت لدمشق, لكن المتتبع للملف السوري, وطريقة تعاطي الحكومة التركية ممثلة بحزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس التركي, يعلم تماماً أن تلك الاستدارة بدأت مع اتفاق موسكو_ أنقرة على إسقاط مدينة حلب نهاية عام 2016، وتسليمها لنظام الأسد, كما ردد الخبر أكثر من مرة المسؤولون الروس ولم تنفه أو تكذبه أنقرة, وكل ما تلا ذلك من توافقات وتفاهمات كانت تخدم الاستدارة التركية وتصب بمصلحة محور روسيا_ طهران_ الأسد, من اتفاق مناطق خفض التصعيد التي آلت معظمها للأسد, إلى اتفاق سوتشي وأستانا التي أعادت معظم المناطق المحررة لعهدة شريك الروس, ومسار أستانا الذي اعتبرته أنقرة طريقاً للحل السوري وفق نظرية “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” لم يحقق المسار بنداً واحداً مما أٌنشئ لأجله (المواد 12,13,14 من القرار 2254 التي تتحدث عن وقف إطلاق النار وفك الحصار عن المناطق المحاصرة وإطلاق سراح المعتقلين)ّ, فإطلاق النار صحيح أنه خفت وتيرته لكن استهداف المدنيين لم يتوقف يوماً واحداً, والمناطق المحاصرة بدل فك حصارها, أسقطوها وأعادوها للنظام, والمعتقلين أخرجوهم لدار الآخرة وليس لأهاليهم بعد أن أبدع نظام الأسد بتعذيبهم وقتلهم بغرف الملح وزنازين قيصر ونباشين القبور التي تكشفت جرائمها لاحقاً.

هناك من يقول إن اللقاءات حتى الآن ما تزال لقاءات أمنية تتصدرها اجتماعات بين رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان ورئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك، وصحيح أنها تعددت بأزمانها وجغرافيتها لكنها لم تتطور للقاءات سياسية، وهناك من يقول إن الانعطافة التركية تكمن خلف أسباب عديدة:

أولها كانت ناجمة عن ضغوط سياسية لم تحتملها أنقرة من الجانب الروسي ورضخت لها, وبالتالي لم يستطع أردوغان مواجهة ضغوط ورغبات بوتين, وثانيها أن رغبات المصالحة أتت على أعقاب ملفات الداخل التركي الشائكة وأهمها المتعلق بالشأن الاقتصادي, التي لعبت بها أطراف معارضة ومناوئة لحزب العدالة والتنمية, والتي استغلت تصريحات سابقة للرئيس أردوغان وأركان حكمه وحزبه حول اللاجئين السوريين, وعن أموال صرفت وخدمات قدمت, وكان لزاماً على الحزب الحاكم سحب تلك الأوراق من يد المعارضة التركية عبر قرار المصالحة مع الأسد وإعادة ملايين السوريين طوعاً, وثالث الأسباب اللعب على الوتر الأمني عبر ملف انتخابي هام من خلال جعل المصالحة مع الأسد بوابة لحصار قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني, الذي يشكل مادة انتخابية عادة ما تكون مؤثرة على الناخب التركي وتعطي نتائج إيجابية لدى فرز صناديق الانتخابات.

رد فعل المعارضة السورية الرسمية كان باهتاً وخجولاً, وبعض مؤسساتها أحجمت عن إبداء موقف نظراً لارتهانها للقرار التركي, فالائتلاف رفض إصدار موقف حاسم يستجيب للشارع الثوري, واكتفى بعبارات إنشائية خجولة ذيّلها بالتمسك بالقرار الأممي 2254, وكذلك فعلت الحكومة المؤقتة, أما الجيش الوطني فقد صدرت عن بعض قادته بيانات فردية تماشياًّ مع ردة فعل الحاضنة الشعبية الغاضبة, وامتنعت وزارة الدفاع والفيالق عن إصدار موقف رافض للتصريحات التركية ويعبر عن رأي الشارع الحر, وتلك مواقف غير مستغربة, يقول ناشط إعلامي إن المعارضة السورية الرسمية قد تتجاوب مع كل المطالب التركية حتى بالذهاب إلى دمشق, بل هناك من هو مستعد لأبعد من ذلك, لكن ما غفلت عنه المعارضة وما وصل للجانب التركي, يؤكد أن أنقرة باتت على دراية كاملة, أن من قدم الوعود ودق على صدره على أنه ممثل للثورة, مبدياً قدرته على فرض ما تريده أنقرة سواءاً من جانب القيادة السياسية أو القيادة العسكرية, قد سقط مع أول اختبار, وأن حقيقة هؤلاء أنهم غير ممسكين بتاتاً بقرار الثورة الذي ما زال بيد حاضنتها الشعبية, التي فجرت شوارع مدنها وقراها ومخيماتها غضباً, عبر مظاهرات أكدت ألا تصالح مع من قتل ودمر وشرد ونزح الشعب السوري, وأن المجرم يجب أن يقدم للمحاكم لينال جزاؤه, وليس أن يكافئ بمصالحة.

شهران على فورة المصالحة, والتصريحات التركية ما تزال مترددة, وخطوة للأمام واثنتان للخلف, وهو أمر متوقع وله دواعيه, لأن تركيا تعلم تماماً أن موسكو لا تملك كل الوسائل الكافية للضغط على الأسد المتمترس بحضن إيراني لا يشجعه على التصالح مع تركيا, والأسد أيضاً لا يريد تقديم مكافأة (انتخابية) للرئيس أردوغان الذي دعم المعارضة السورية لعشر سنوات مرت, وظهر الأمر واضحاً بلقاء إعلامي لوزير خارجية النظام مع تلفزيون روسيا اليوم بدا فيه المقداد غير مرحب بتلك المصالحة, واصفاً الوجود التركي بالاحتلال, وفصائل الجيش الوطني بالمجموعات الإرهابية, وهذا الخطاب بالتأكيد ليس خطاباً تصالحياً بل تصعيدياً يمنع أي تقارب تركي سوري, وقد يكون كلام المقداد رداً على عرض تركي قيل إن أنقرة تقدمت به عبر الأقنية الأمنية للجانب السوري, يتضمن بقاء الجيش التركي بمنطقة آمنة على الشريط الحدودي بعمق 32كم داخل الأراضي السورية, وانسحاب النظام عسكرياً وأمنياً من مدن خان شيخون ومعرة النعمان, وبقاء فقط مؤسسات خدمات الدولة وجهاز الشرطة المدنية, لضمان عودة 1,5_2 مليون مهجر سوري من تركيا والمخيمات, مع إشراف عسكري وأمني مشترك على تلك المدن ما بين روسيا وتركيا, ونجاح التجربة قد يعمم على مدن وبلدات أخرى.

موقف نظام الأسد وبرغم كل التصريحات التي قيلت وتقال والخاضعة أحياناً لرغبات الجانب الروسي وتعليمات الجانب الإيراني, إلا أن موقف الأسد برز عبر أكثر من تصريح وأكثر من مسؤول, وبرزت فيه رغبة إيران بتعطيل المسار التصالحي مع تركيا كما خربت أي تقدم بالمفاوضات مع المعارضة السورية, إضافة أن نظام الأسد لا مصلحة له بالتقارب مع تركيا, وبالتالي إلزامه التكفل بملايين السوريين العائدين منها, وهو العاجز عن إطعام وتأمين متطلبات أقل من نصف السوريين في مناطق سيطرته, في ظل واقع اقتصادي شبه متهالك لنظام الأسد, أيضاً بشار الأسد يقول: ماذا لو فازت المعارضة التركية بالانتخابات القادمة وخسر أردوغان؟؟ وبالتالي علينا انتظار ما تفرزه الانتخابات التركية لنقرر الخطوة التي تليها، النقطة الأهم أن نظام الأسد يضع شرط انسحاب الجيش التركي من الأراضي السورية، ووقف دعم فصائل المعارضة، وطرد الإعلام المناوئ للنظام، كشرط أولي لبدء أي حوار، وتلك شروط لا تستطيع حسمها أنقرة أو الخوض بنقاش فيها، خاصة أن وجودها العسكري على الأراضي السورية كان عبر تفاهمات وتضحيات لا يمكن التنازل عنها لمجرد وعود من نظام آيل للسقوط في أي لحظة إذا ما قررت واشنطن ذلك.

لكن ما تحاول أنقرة تجاوزه وعدم النقاش به هو الموقف الأميركي, وأنقرة تدرك تماماً أن أي حل خارج الإرادة الأميركية غير قابل للحياة والتطبيق, وأن تصريحات وزير الخارجية لافروف عندما قال: لقد اقتربنا من الحل وفق مسار أستانا, ردت عليه واشنطن باجتماع 13 دولة في جنيف للنواة الصلبة المعنية بالشأن السوري، وقالت كلمتها: لا حل بسوريا وفق قراءات منقوصة للقرار 2254, وتناقض ما أقره مجلس الأمن الذي ينص على هيئة حكم انتقالي, ولجنة دستورية, وانتخابات شفافة برعاية أممية, وكأن واشنطن أرادت القول لكل من موسكو وأنقرة وطهران, إن الحل الروسي المتضمن منح المعارضة السورية بضعة حقائب وزارية هامشية بحكومة وحدة وطنية تُبقى الأسد بالسلطة, هو خيار مغلوط ولا موافقة عليه, وأن أموال الإعمار المطلوبة لسوريا والبالغة وفق تقارير أممية حوالي تريليون دولار, لن يٌقدم منها بنس واحد, ما لم يخضع الحل السوري لموافقة المانحين, وأن خزائن موسكو وحلفائها فارغة ولن تشارك بالإعمار, بل تسعى للسيطرة وسرقة أموال الإعمار, كما فعل نظام الأسد عندما تباكى على عودة اللاجئين من لبنان طمعاً بالملايين من الدولارات التي تقدمها الأمم المتحدة, لكنه عندما علم أن تلك الأموال سوف تتوقف إذا ما عاد النازحون للداخل السوري, صرف النظر عن عودتهم بل وعرقلها.

أما من ناحية الطرح التركي بالتعاون مع نظام الأسد للقضاء على قوات سوريا الديموقراطية وحزب العمال الكردستاني في شرقي الفرات, فأنقرة تعلم تماماً عمق العلاقة بين نظام الأسد و”العمال الكردستاني” والتي تعود لعقود مضت وليست بجديدة, أيضاً تدرك أنقرة أن حجم الدعم الأميركي عبر التحالف الدولي المقدم لقوات سوريا الديمقراطية يشل أي تحرك عسكري للنظام وحلفاءه في مناطق شرقي الفرات, والضربات المؤلمة التي تلقتها الميليشيات الإيرانية مؤخراً في مستودعات عياش ومعسكر الصاعقة وحويجة صكر, كانت رغم قساوتها ما هي إلا (فركة إذن) صغيرة لمن يفكر بالاقتراب من التحالف الدولي وحلفاءه شرقي الفرات.

أيضاً تركيا قارئ جيد للتطورات, وهي تراقب السياسة الأميركية, التي باتت تُخرج من جعبتها وعلى فترات متفاوتة ملفات تثبت وتؤكد مدى إجرام نظام الأسد, بما يعني أنه نظام غير قابل للتعويم, وهي بدأت بملف قيصر ثم انتقلت للكيماوي وعادت إلى ملف نباش القبور ثم ربطت بين صناعة وتهريب المخدرات وبين عائلة الأسد ونظام الأسد مباشرة, ومؤخراً ظهرت فظائع النظام في سجن صيدنايا عبر ما بات يُعرف بـ”غرف الملح”, وهناك أشياء أخرى ستظهر قريباً عن جرائم النظام, أيضاً التعديلات الأخيرة لقانون قيصر عبر الكونغرس الأميركي التي أوقفت أي استفادة للنظام السوري بمواضيع تخص الطاقة أو الغاز أو الكهرباء, وأوقفت أي تمويل من البنك الدولي يمكن أن يساهم بدعم إجرام النظام ضد الشعب السوري, مع حديث عن لوائح عقوبات للخزانة الأميركية قد تصدر قريباً وتطال شخصيات عربية ساهمت أو حاولت إعادة تعويم رأس النظام في دمشق.

حتى الآن تركيا تبدو وكأنها ستتابع بالخيار التصالحي مع نظام الأسد, وهذا ما أكده الرئيس أردوغان مؤخراً برغبته بلقاء بشار الأسد, لكن على أرض الواقع لا تطورات, والمفاوضات ما زالت ضمن الإطار الأمني ولم تتعداه للمستوى السياسي أو الرئاسي, لكن تركيا حتى الآن ليست بوارد التخلي عن الائتلاف, ليس وفاءاً أو التزاماً تركياً للسوريين (المعارضة السورية ليست أفضل أو أغلى من المعارضة المصرية التي تخلت عنها تركيا وأوقفت إعلامها وطلبت منها مغادرة أراضيها), بل لأن تركيا ما زالت بحاجة الائتلاف لشرعنة خطواتها بالملف السوري, وبالتالي لا يمكن أن تطلب أنقرة من الائتلاف (حالياً) مغادرة الأراضي التركية.

 

العميد الركن أحمد رحال

المصدر: نورس برس

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.