أوباما والإرهاب في سورية والعراق

36

بعد نحو سنة ونصف السنة، وتحديداً خلال الشهر الأول من العام 2017 سيحل محل الرئيس باراك أوباما الرئيس الذي يتم انتخابه في يوم الثلثاء الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، إذ إن انتخابات الرئاسة الأميركية دوماً تكون في يوم الثلثاء الذي يلي أول اثنين من الشهر الحادي عشر كل أربع سنوات. ولا يتولى الرئيس المنتخب فعلياً الرئاسة إلا في يوم 20 من الشهر الأول في السنة التي تلي الانتخابات، إلا إذا صادف تاريخ 20 يوم أحد فيكون أداء القسم في اليوم الحادي والعشرين.

لكن موضوعنا ليس عن أبجديات الانتخابات الأميركية، وإنما عن فشل أوباما المروّع في توظيف إمكانات أميركا الهائلة لإنقاذ الشعبين العراقي والسوري، بل والعالم أجمع، من الإرهاب المستشري الذي بدأ في العراق ثم شمل سورية وغير سورية. فهل أوباما غبي أم جاهل ساذج أم لئيم شرير؟

يبدو أساتذة التاريخ والعلوم السياسية في أرقى الجامعات الأميركية شبه متفقين على أن الرئيس أوباما من أذكى الرؤساء وأفصحهم، إضافة إلى أنه حسن النوايا. لكنهم أيضاً يكادون يجمعون على أن الرئيس أوباما رجل متردد ضعيف الإرادة، هدفه قبل أي اعتبار آخر كسب رضا الذين انتخبوه من الأقليات وصغار السن وذوي الاتجاه الليبرالي الذين أرادوا ترك العراق لحاله مهما كان الثمن.

فكيف تعامل الرئيس أوباما مع واقع العراق المرير بعد انتخابه؟

ورث أوباما من إدارة سلفه جورج بوش التي سيطر عليها أشد أطياف اليمين الأميركي تطرفاً وولاء لأقصى اليمين الإسرائيلي، عراقاً منهكاً مشتتاً جيشه محبطاً ومن دون أمن مركزي، فماذا فعل؟ سحب القوات الأميركية، كما وعد في حملته الانتخابية، من دون أن يفكر بماذا سيحصل للعراق.

وسبق انسحاب القوات الأميركية من العراق، بل ومنذ السنة الأولى من اجتياح العراق، تعاون بين الحكومة الإيرانية وحليفتها حكومة بشار الأسد السورية، في جذب وتمويل وتيسير نقل كل إرهابي سُنّي يجدونه أو يجلبونه من كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية إلى العراق، قبل أن تُمكّن إيران نوري المالكي من تولي حكم العراق.

والمراقب قد يفهم دوافع أوباما السياسية، وإن كان لا يعذره، لانسحابه من العراق الذي غزاه سابقوه. غير أن السؤال الأهم، كيف تعامل أوباما مع الثورة السورية التي انطلقت بعد إعادة انتخابه للفترة الثانية والأخيرة، أي بعد غياب مخاوفه من أي ضغوط سياسية أميركية محلية؟

هدد ووعد، ثم نكث ولم يفعل. والطامة الكبرى كانت الامتناع عن تسليح القوى التي تمثل غالبية الشعب السوري وعدم إيجاد منطقة آمنة من وطنهم يستطيعون اللجوء إليها. وجعل تردده وضعف إرادته الكارثة السورية أقوى مغناطيس لجذب كل محبط نافر من نفسه للانضمام من كل أقطار المعمورة إلى المنظمات الإرهابية مثل «داعش» و «النصرة»، باسم الدفاع عن السُنّة وحمايتهم من نظام سوري طائفي دموي مستبد. وهذا بدوره دفع النظام السوري إلى تجنيد جميع الميليشيات الطائفية ذات الولاء لإيران من كل مكان في العالم، للانضمام إلى قوات بشار لسحق الثورة السورية.

وبعد أن احتل «داعش» الموصل وأراضي عراقية وسورية واسعة، وأذاع المسلسلات المصورة لذبح الأبرياء من كل الأجناس والطوائف والأديان، اضطر الرئيس أوباما إلى أن يحاول فعل شيء، ولو كان رمزياً، فأرسل مجموعات صغيرة من القوات الأميركية لتدريب الجيش العراقي. وما فات أوباما، إن لم يكن يجهله تماماً، أنه قبل استفحال شر «داعش»، اختطف رئيس الوزراء العراقي حين ذاك نوري المالكي الجيش العراقي، وبقية المؤسسات الرسمية، وسيّسها، فحولها مؤسسات طائفية موالية لحزبه هو لا للشعب العراقي بكل مكوناته العرقية والدينية والمذهبية. ومما زاد الأمر سوءاً أن أوباما توهم أن الاستعانة بميليشيات شيعية ذات دوافع طائفية ستدحر منظمات إرهابية تكونت وزادت قوتها ونفوذها باسم الدفاع عن السُنّة.

وكما سبق أن استغل الانقلابيون العرب احتلال إسرائيل لفلسطين، استغل قادة الإرهاب الطائفي السُنّي وقادة الإرهاب الطائفي الشيعي على حد سواء، كوارث العراق ونكبة الشعب السوري لتكريس السلطة ثم احتكارها.

وملخص الموضوع أنه يصعب، إن لم يتعذر، دحر المنظمات الإرهابية التي تكونت واستفحل شرها باسم الدفاع عن السُنّة العراقيين والسوريين، من طريق أو حتى بمشاركة ميليشيات شيعية دوافعها طائفية، دربها وسلّحها النظام الإيراني، وكثيراً ما قادها ضباط الحرس الثوري.

علي بن طلال الجهني

الحياة