أيها السوريون.. أين المفر؟البحر من ورائكم والعدو أمامكم

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يكلّ ولا يملّ.
ما زال بوتين يروّج لسوريا يبقى فيها بشار الأسد ومن هم وراء بشار الأسد «جزءًا من الحل»، مع أن الحل الوحيد الذي سعى إليه رأس نظام دمشق لمحنة سوريا المتفاقمة منذ مارس (آذار) هو الهروب إلى الأمام، نحو مزيد من القتل والتدمير والتفتيت.
المصير الذي اختاره النظام منذ اليوم الأول للانتفاضة الشعبية تجلى، خلال الأيام الأخيرة فقط، بأوضح صورتين، فإما القتل تفجيرًا كما حدث للشيخ وحيد البلعوس قائد انتفاضة السويداء، أو موت الهاربين واللاجئين غرقًا كحال الطفل إيلان وشقيقه وأمه. وفي هذه الأثناء، تمعن إيران في التغيير الديموغرافي، ويحصد زارعو «داعش» ثمار ما زرعوه سحقًا ومحقًا للماضي والحاضر والمستقبل.
محنة عائلة إيلان هزّت الرأي في الغرب، وكان لا بد لها أن تفعل. ففي بريطانيا تحاشت الصحف الوطنية الكبرى، باستثناء «الإندبندنت» نشر صورة إيلان، ابن الثلاث سنوات، على صفحتها الأولى بعدما لفظته أمواج البحر على الشاطئ التركي في أعقاب موته غرقًا. وفضّلت معظم الصحف استخدام صورة للطفل الغريق أقل دراماتيكية وصدمًا يبدو فيها محمولاً على ذراعي أحد المنقذين. ولكن مع هذا، بلغ تأثر الشارع البريطاني حد ذوبان تشدّد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إزاء موضوع اللاجئين السوريين!
في أوروبا، عمومًا، كان للمشهد المأساوي مدعومًا بالطوفان البشري عبر الأسلاك الحدودية الشائكة في المجر ودول البلقان تداعيات مماثلة، على الرغم من التصريحات الطائفية المخجلة لرئيس وزراء المجر اليميني فيكتور أوروبان، وعلى الرغم من الخلط بين كلمتي «اللاجئون» و«المهاجرون».. وهو خلط كان في بعض الأحيان متعمدًا عند الأوساط المتشددة تقليديًا في مسألة «الهجرة الاقتصادية».
في مطلق الأحوال، جرى استيعاب الصدمة بتسهيل الكثير من الدول الأوروبية دخول اللاجئين السوريين إليها، مع أن العدد بات يقدّر اليوم بمئات الألوف. ومؤقتًا على الأقل، صمتت الأصوات العنصرية والمعادية للأجانب، تاركة «عاصفة إيلان» تمرّ، بأمل أن يحمل الغد معطيات مغايرة.
ثمة قوى طالبت بما هو أكثر من مجرد تسهيل دخول اللاجئين واحتضانهم، وبالأخص، إثر مقارنة ما يحصل اليوم للسوريين مع محنة اليهود إبان «المحرقة» النازية. غير أن قوة الدفع ما زالت دون المطلوب على صعيد العلاج الشافي والحاسم. فمحنة اليهود إبان الحقبة النازية لم تُحَل إلا بعد إسقاط النازية، ومحنة السوريين مع النظام المتسلط عليهم والذي تسبب في تلك المحنة، لا يمكن أن تحلّ جذريًا ولن يتوقف مدّ اللجوء، كما لن تتوقف الويلات والمعاناة في الداخل السوري، إلا بإسقاط ذلك النظام.
هذه هي الحقيقة بكل بساطة.
إن قبول اللاجئين السوريين في الدول التي نجحوا في بلوغها أحياءً أمر ضروري وواجب إنساني، بيد أن للأزمة بعدًا سياسيًا. وهذا يعني وجوب معالجتها سياسيًا بدلاً من تحويلها إلى أزمة إنسانية بحتة يكتفي العالم بالتعامل معها كما لو كانت مجاعة أو زلزلاً أو فيضانًا أو غيرها من النكبات الطبيعية.
ما يعاني منه الشعب السوري أزمة سياسية في المقام الأول، وعليه فالحل يجب أن يكون سياسيًا. وهذا يستوجب إبعاد السبب.. أو المتسبّب، كمقدمة ضرورية للانخراط في مسار سياسي متكامل، يهدف أولاً إلى إعادة بناء سوريا وما تبقى من لحمتها الوطنية، وثانيًا، لتسهيل مكافحة ظاهرة الإرهاب والتطرّف التي نشأت أصلاً كردة فعل على الظلم والقهر قبل أن تجد جهات مشبوهة رعتها وتعهدتها واستغلتها لغايات خبيثة.
إن الاكتفاء بقبول اللاجئين بينما يمارس «الحرس الثوري الإيراني»، بمقاتليه من مختلف الجنسيات، التطهير المذهبي، ثم يفاوض على إجراء تبادل سكاني، كما يحصل في الزبداني ومحيطها بمنطقة وادي بردى وفي الجيوب الشيعية بشمال سوريا (الفوعة وكفريا ونبّل والزهراء)، يعني عمليًا مساعدة نظام الأسد و«حاضنته» سلطات طهران على تنفيذ مؤامرة تقسيم سوريا. ثم إن الإصرار الغربي – وبالذات الأميركي – على رفض إنشاء «ملاذات آمنة» في شمال سوريا وجنوبها يصب في هذا الاتجاه تمامًا لأنه يطيل أمد المواجهات الفئوية، ويغذّي التطرّف، ويسقط يومًا بعد يوم القواسم المشتركة المطلوبة للتعايش بين المكوّنات السورية.
في الشمال، بعدما دعمت واشنطن الميليشيات الكردية وأعانتها على السيطرة على معظم المنطقة الحدودية مع تركيا من شرقي القامشلي شرقًا إلى عين العرب غربًا، ها هي الخطوات تتعثر في القطاع الفاصل بين جرابلس وعفرين، ويُترك هذا القطاع عرضة لهجمات «داعش» بعدما قيل غير مرة أنه سيُعلَن «ملاذًا آمنًا» يحمي حلب وريفها، ويحول دون وصل منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية بالمناطق الكردية الأخرى في الشمال السوري.
أما في الجنوب، إذ انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية في مارس 2011 من مدينة درعا، فلا مؤشرات البتة على وجود نية حقيقية عند المجتمع الدولي في ضبط جيو – سياسي على الرغم من الأهمية السياسية لهذه المنطقة. ففي الجنوب، هناك الوجود الإسرائيلي في الجزء الجنوبي الغربي من هضبة الجولان، وهناك العمق الأردني لحوران التاريخية حيث تنقسم العائلات وتنتشر العشائر نفسها على جانبي الحدود السورية الأردنية. ثم هناك في محافظة السويداء (جبل العرب) أكبر تجمّع للموحدين الدروز في العالم، وكانت بعض قراهم قد تعرضت لتهديد «داعش» الذي اقترب من المنطقة عبر الصحراء وما زال يحاول احتلال محافظتي السويداء ودرعا، من دون أن يتصدى له النظام السوري ببراميله المتفجرة.. التي يخصّصها فقط لأحياء مدينة درعا وبلدات محافظتها. ولا ينفصل اغتيال الشيخ البلعوس، قائد «مشايخ الكرامة» الدروز، المناهضين للنظام، عن مشروع الفتنة السنّية – الدرزية الذي يعدّ له النظام في الجنوب السوري، مع استغلال «داعش» الذي كان قد طرد من درعا، وينوي العودة إليها للتخفيف عن قوات النظام المحاصرة هناك.
ورحم الله طارق بن زياد الذي قال: «أيها الناس أين المفر؟ والبحر من ورائكم والعدو أمامكم»؟
اياد ابو شقرة 
المصدر : الشرق الاوسط