أيّ حربِ على الإرهاب؟

هل يُمكن مقاربة الأوضاع الحالية التي دفعت لها تطوّرات الحرب في سوريا، وتقديم مقترحات للخروج منها من خلال مفهوم «الحرب على الإرهاب» وحده؟
الإرهاب في تعريفه الأشمل هو استخدام العنف والرعب لأهداف سياسيّة أو دينيّة أو إيديولوجيّة. تستخدمه الدول، كما تمارسه مجموعات بعينها لخدمة أهدافها الخاصّة. بل يمثّل الإرهاب في ظلّ حربٍ داخليّة إشكاليّة حقيقيّة، إذ انّ العنف وبثّ الرعب لدى العدوّ أو الخصم يغدوان بمثابة احدى تقنيّاتها.
ليس الإرهاب ظاهرة جديدة في سوريا بعد الاستقلال. وكانت قوى محليّة مختلفة استخدمت في الفترة التي اعتبرت الأكثر ديموقراطيّة الاغتيالات السياسيّة كأحد أنماط الإرهاب وسيلة لها. وأهمّ دلالة على ذلك هو أنّ أكبر صرح في دمشق العاصمة هو تمثال لضابط تمّ اغتياله ضمن صراعات بين قوى سياسيّة: عدنان المالكي. كما أنّ السلطة التي نشأت تدريجيّاً منذ الستينيات استخدمت – مع بعض الاستثناءات – بشكلٍ منهجيّ الإرهاب، كإحدى الوسائل لفرض هيمنتها. ثمّ جاءت فترات أخرى كانت سمتها الأساسيّة استعمال الإرهاب في صراعات إقليميّة، في لبنان وفي العراق خصوصاً. لكنّها تميّزت أيضاً بانفجار صراعات العنف والرعب داخل سوريّا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تمازجت فيها الأبعاد الإقليميّة، وبالتحديد بين سلطتي صدّام حسين وحافظ الأسد، مع الأبعاد المحليّة التي بدأت بالاغتيالات الطائفيّة وانتهت بمجازر تدمر وحماه. ثمّ عرفت سوريا فترة استقرار طويلة لم تستفد منها السلطة في تشجيع خلق حاضنة شعبيّة مدنيّة تعالج التداعيات الكامنة التي خلّفتها الصراعات، سواء من الناحية المذهبيّة أو الاجتماعيّة، مثلاً في جبل الزاوية، الذي تركت قراه ومدنه بعيدة عن التنمية والمساواة… والمدنيّة.
هكذا في كلّ مرّة كان يستخدم فيها العنف والرعب صراحة، ولا تتمّ المعالجة اجتماعياً وسياسياً، كان المجتمع السوري يعيش واقعيّاً قلقاً حقيقيّاً من انفجار ما هو كامن. ظهر هذا بدايةً في 2004 بعد قتل مدنيين أكراد في القامشلي بعد أحداث على خلفيّة مباراة كرة قدم. ثمّ تعمّم في 2011 بعد اجتياح مسجد العمري في درعا عسكريّاً وخطاب الأسد الأوّل الذي لم يتحدّث سوى عن «الإرهاب» والتطرّف وأعلنها حرباً عليهما، من دون أيّ معالجة سياسيّة واجتماعيّة لتدارك التداعيات.
على العكس، نأت السلطة عن واقع المجتمع السوري كمجتمع واحد، وعالجت انتفاضة لها أسبابها الاجتماعيّة والاقتصاديّة العميقة، وإن تخلّلتها أعمال عنف هامشيّة، بإرهاب الدولة وبزجّ الجيش ضدّ الشعب، وببثّ الانقسام ضمن المجتمع، على أساس أنّه من ليس معي فهو ضدّي وهو إرهابيّ. وانخرطت قوى إقليميّة ودوليّة في المنطق ذاته دافعة إلى حمل السلاح وإلى الطائفيّة حتّى وصلت إلى إطلاق عنان المتطرّفين من كلّ الانحاء للانغماس في «حرب» إسبانيا الحديثة كما سمّاها بعض المهووسين.
واليوم بعد حوالى سنتين من تحوّل الثورة إلى حرب في صيف 2012، لم يبقَ على الساحة السوريّة سوى الإرهاب، أي العنف والرعب. إرهاب الدولة الرسميّة كما إرهاب ما يسمّى دولة البغدادي، إرهاب التنظيمات المتطرّفة كما إرهاب أجهزة الدول التي تصفّي حساباتها عبر السوريين.
لا معنى اليوم لأن تطالب السلطة السوريّة بالانخراط معها في محاربة التطرّف والإرهاب في حين استخدمت، وما زالت تستخدم، العنف والرعب ضدّ المدنيين. ولا معنى لأن تُطالب الولايات المتحدة أيضاً بالانخراط معها في الحرب على الإرهاب من دون أن تضغط حقّاً على الدول التي تستخدمه، لوقف تدفّق الإرهابيين والمال والسلاح. ولن تمنع طروحات «المناطق الآمنة أو العازلة» الإرهاب، ولن يمنعه تقسيم سوريا إلى دويلات.
لا معنى للحرب على الإرهاب من دون وقف الحرب أوّلاً، وإيجاد مسارات سياسيّة لمعالجة أسبابها وتداعياتها وسبل لحلّ مستديم لها، على الصعيدين المحلّي والإقليميّ. هكذا فقط يبقى الإرهابظاهرة هامشيّة وليست عامّة، بحيث تستطيع المجتمعات التي تعيشها أن تنبذها بعيداً. ولا جدوى أساساً لمحاربته من دون معالجة أسبابه، خصوصاً إذا وجد حاضنة شعبيّة له، ولم يعد ظاهرة هامشيّة في المجتمع.
لا معنى لمطالبة السلطة السورية بالانخراط في محاربة الإرهاب في حين تستخدم العنف ضد المدنيين، ولا معنى لمطالبة الولايات المتحدة بالأمر نفسه من دون أن تضغط حقاً على الدول التي تسهل تدفق الإرهابيين والمال والسلاح

 

سمير العيطة

المصدر : السفير