إخوان سوريا يواجهون مشكلاتهم الداخلية..تمهيدا لانتخاب مراقب عام

يبدو أن الانتخابات الداخلية التي تحضر جماعة الاخوان المسلمين في سوريا لإجرائها ستكون استثنائية، خاصة في ما يتعلق بمنصب المراقب العام، حيث يعود الجدل حول صراع الأجيال وسعي الجماعة لمجاراة التطورات والمتغيرات التي تشهده سوريا والمنطقة، وإمكانية أن تنجح في ذلك بالنظر إلى المشكلات التي يعاني منها التنظيم.
ومنذ انطلاق ثورات الربيع العربي، شهدت الجماعة بشكل عام والفرع السوري بشكل خاص، انقسامات عدة، غادر بموجبها الكثير من الأعضاء بسبب الخلاف حول “التغيير”، الأمر الذي دفع قيادة الجماعة للتفكير جدياً في احتواء هذه المشكلة، كما يقول مقربون منها، لكن الكثيرين من المراقبين يشككون بإمكان تجاوزها بسهولة.

صراع أم توافق؟
وحسب المعلومات التي حصلت عليها “المدن” فإن أخوان سوريا بدأوا منذ شهرين التحضير للولاية الانتخابية القادمة، والتي ستشمل، بالإضافة إلى منصب المراقب العام، كلاً من مجلس الشورى ولجان المحافظات (اللجان الاستشارية).
وبالإضافة إلى إشكالية “صراع الأجيال والأفكار” تبرز إشكالية أخرى لطالما عانى منها إخوان سوريا، وهي “المناطقية” حيث وقعت الجماعة ضحية التنافس خلال العقود الماضية بين كتلتي حلب وحماة.
ورغم محاولة تجاوز هذه النقطة في آخر انتخابات، من خلال اختيار مراقب عام من مدينة اللاذقية، هو محمد حكمت وْلْيد، “إلا أن مراكز قوى الظل بقيت مسيطرة، ما سمح باستمرار خلافاتها ومشكلاتها” حسب قيادي سابق في الجماعة فضل عدم الكشف عن اسمه.
لكن الباحث في مركز إدراك للدراسات باسل حفار يؤكد أن الأمور داخل الجماعة تسير على ما يرام إلى حد كبير، مشيراً إلى أنه “رغم عدم حسم مسألة المراقب العام القادم، إلا أن إخوان سوريا متوافقون بشكل عام ولديهم تصور واضح حول ما يجب أن تكون عليه الأمور في المرحلة القادمة”.
ويقول في تصريح ل”المدن”: “من خلال إطلاعي أستطيع أن أؤكد أنه لا يوجد أي صراع أو انقسام داخل الجماعة في ما يتعلق بالمرشحين لمختلف المناصب، وعلى العكس أرى أن الترتيبات تسير على نحو جيد، وهناك توافق في كثير من النقاط، وفي نقاط الخلاف فإن ما يجري لا يتعدى تبايناً طبيعياً في وجهات النظر بحدود دعم هذا الخيار أو ذاك”.

البوسلامة مرشح قوي
وحسب مصادر “المدن”، فإن معظم الترشيحات تصب في صالح عامر البوسلامة ليكون المراقب العام القادم، حيث يُعتبر البوسلامة خياراً وسطاً بين كتلتي حلب وحماة، وبين الجيل الأقدم والجيل الجديد.
والبوسلامة من مواليد مدينة دير الزور عام 1960، ويحمل شهادة دكتوراه في الشريعة من جامعة بغداد، ويعيش منذ أكثر من عقد في تركيا التي انتقل إليها الكثيرون من الإخوان منذ عام 2011.
ورغم أن البوسلامة شخصية توافقية ويحظى بقبول من مختلف الأطراف والأجيال داخل الجماعة، إلا أن فوزه بمنصب المراقب العام لا يبدو محسوماً كما يقول حفار، الذي يؤكد أن حظوظ محمد حكمت وليد بولاية جديدة تبقى قائمة وبقوة أيضاً.

مؤشرات
لكن القيادي السابق الذي تحدث ل”المدن” بهذا الخصوص، لم يبدو متفائلاً بإمكانية أن يتجاوز إخوان سوريا المشكلات التي يعانون منها بهذه السهولة، معتبراً أن عدم فتح قنوات تواصل مع القادة والكوادر الذين استقالوا من الجماعة خلال السنوات الماضية، يُعتبر مؤشراً على استمرار النهج ذاته الذي أدى إلى خسائر فادحة مني بها التنظيم، كما يقول.
وخلال السنوات الماضية غادر الجماعة العديد من الوجوه التي تحسب على جيل الشباب فيها، ليؤسسوا أحزاباً وتشكيلات سياسية جديدة، أو يتفرغوا للعمل السياسي والأكاديمي المستقل، مثل أحمد رمضان وياسين النجار (حركة العمل الوطني)، عبيدة النحاس (حركة التجديد الوطني)، محمد السرميني (مركز جسور للدراسات) وغيرهم.
بالمقابل استمرت الكثير من الشخصيات البارزة من الجيل الأوسط في الجماعة، مع عدم تمكنها من الوصول إلى مراكز قيادية متقدمة فيها، ومن أبرز هذه الأسماء: الناشط السياسي في إيطاليا حكم الفندي، نجيب الغضبان في بريطانيا، وفي الولايات المتحدة الدكتور صالح مبارك وشقيقه هشام مبارك، وغيرهم.

مشكلة مركبة
ويرى الكاتب المهتم بجماعات الإسلام السياسي عمار جلو أن مشكلة إخوان سوريا على هذا الصعيد هي “امتداد لمشكلة الجماعة الأم التي تأثرت بها مختلف الفروع في العديد من البلدان، ومنها الفرع السوري”، مستبعداً أن يتم تجاوزها بسهولة.
ورداً على سؤال ل”المدن” حول ما إذا كانت هذه المشكلة بنيوية تتعلق بطبيعة الجماعة، أم أنها تتعلق بطبيعة الشخصيات المسيطرة فيها، يقول: “المشكلة سببها الأمران معاً، فغالب أفكار تيارات الإسلام السياسي لا تعتبر التقدم في العمر سبباً كافياً للاعتزال، كما أن للشخصيات المنضوية ضمن التنظيم أثراً كبيراً، إذ تشكل هذه الشخصيات دولة عميقة ضمن الحركة، وحرساً قديماً يسعى لمواجهة أي حالة تغيير قد تنتهجها الجماعة”.
ويضيف أنه “بمرور الوقت يبدأ هؤلاء بالنظر إلى أنفسهم كأمناء وسد مقاوم لأي تغييرات قد تفضي إلى ضياع التنظيم أو تمييعه من وجهة نظرهم، ما يولد مشكلات جديدة ويسمح بانتقال أمراض أخرى، كالمحسوبية وغياب المساءلة وإفراغ الديمقراطية الداخلية من مضمونها، بحيث تصبح الانتخابات شكلية ومجرد تدوير للمناصب ضمن حالة توافقية بينهم، وليست حالة ديمقراطية حقيقية تحكمها برامج عمل وأفكار واستراتيجيات”.
بينما يرى البعض أنه لا يمكن تعليق الكثير من الآمال على الانتخابات الداخلية القادمة لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ويعتقدون أنها ستكون أداة لتكريس التيارات المهيمنة عليها، حتى وإن تم تصدير وجوه جديدة في هذا المنصب أو ذاك، يرى آخرون أن تجربة السنوات الماضية فرضت نفسها على الجماعة بالفعل، ودفعتها للتحرك في مدارات مختلفة وجديدة من التفكير والعمل، بهدف تلافي المشكلات التي واجهتها، وأهمها صراع الأجيال والتنافس المناطقي والموقف من التجديد.

المصدر: جريدة المدن الالكترونية