إدخال المساعدات إلى سورية تحت رحمة “الفيتو” الروسي

قبل أيام من انتهاء التفويض الأممي لعمليات إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود (باب الهوى) إلى سورية، وتحديداً إلى الشمال الغربي، في العاشر من يوليو/تموز الحالي، يجتمع مجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم الخميس للتصويت على مشروع قرار يجدد هذه العمليات لسنة إضافية، وسط مخاوف من ابتزاز روسي لزيادة نفوذ النظام السوري في هذه العملية.

ويأتي التصويت في وقت تشهد فيه العلاقات بين الدول الغربية وروسيا توتراً إضافياً، بعد اجتياح الأخيرة لأوكرانيا، ناهيك عن وجود عدد من نقاط الخلاف المتعلقة بالمساعدات الإنسانية بين الدول الغربية من جهة، وبين روسيا والصين من جهة أخرى، من بينها “مشاريع الإعمار المبكر”، كما حول وجهة تلك المساعدات في المناطق التابعة لقوى معارضة. كما يأتي هذا التجديد في وقت تشهد فيه سورية أكبر أزمة إنسانية منذ بدء الاحتجاجات والحرب التي تلتها، قبل أكثر من 11 عاماً.

وكان مجلس الأمن قد أصدر قراراً للمرة الأولى بتقديم المساعدات عبر الآلية في قرار حمل الرقم 2165 عام 2014. وفي حينه وافق على تقديمها من أربعة معابر حدودية (تركية وعراقية وأردنية). ومنذ يوليو/تموز 2020 تم التجديد لمعبر واحد فقط، هو باب الهوى الحدودي مع تركيا.

ابتزاز روسي لتعزيز دور النظام السوري

وما زال من غير الواضح ما إذا كانت روسيا ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار وتضع شروطاً إضافية لتجديده أو تعرقل تجديده بشكل تام، وهي ورقة لوّحت بها في أكثر من مناسبة. وبحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن المفاوضات حول المسودة شهدت نقاشات حول عدد من الأمور، من بينها زيادة عدد المعابر، وهو ما طالبت به الأمم المتحدة في أكثر من تقرير لها، إذ أكدت أن زيادة عدد المعابر تخفف من العبء على باب الهوى، وتسمح بإيصال تلك المساعدات بتكلفة وبيروقراطية أقل وبشكل أسرع مقارنة بتلك التي تدخل إلى الشمال الغربي عبر خطوط التماس.

وتدعم الدول الغربية الأعضاء في المجلس، زيادة عدد المعابر، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، في الوقت الذي تريد روسيا أن يتم إغلاق معبر باب الهوى بشكل تام أو أن يُقدّم جزء بسيط من تلك المساعدات عبره والعمل بالآلية العابرة لخطوط التماس بشكل رئيسي. ورفضت روسيا في السنوات الماضية، واستخدمت الفيتو (ودعمتها الصين في الغالب) في أكثر من مناسبة، التجديد لتقديم المساعدات العابرة للحدود عبر معابر إضافية لمعبر باب الهوى. وتدّعي موسكو أن جزءاً من تلك المساعدات يصل إلى “منظمات إرهابية، من ضمنها تلك المدرجة على قائمة مجلس الأمن”، بحسب ما صرح به دبلوماسيون روس في نيويورك في أكثر من مناسبة.

ويرجح خبراء أن روسيا قد توافق على التجديد مقابل الضغط على الدول الغربية لزيادة مساعداتها لبرامج التعافي المبكر لسورية، كما زيادة نسبة المساعدات التي يتم تقديمها عبر النظام في دمشق وخطوط التماس، مما يزيد من نفوذ النظام بشكل أكبر في المناطق التي لا يسيطر عليها.

وتتسم المفاوضات حول التجديد للآلية كل عام بالصعوبة، ولكن هذا العام يزيد الصراع في أوكرانيا من تشنج مواقف الأطراف. وأشار نائب السفير الروسي في الأمم المتحدة في نيويورك، دميتري بوليانسكي، في آخر اجتماع مفتوح للمجلس حول الأوضاع الإنسانية نهاية يونيو/حزيران الماضي، إلى إمكانية تنظيم دخول تلك المساعدات عبر الحدود بالتنسيق مع النظام السوري. وفي العادة يتم ذلك في ما يخص بقية المساعدات التي تدخل سورية بما فيها تلك العابرة لخطوط التماس، لكن الأمم المتحدة لا تنسق مع النظام في ما يخص تلك التي تدخل إلى إدلب ومناطق أخرى عبر باب الهوى. وتقدّر الأمم المتحدة أن الأغلبية من سكان تلك المنطقة، أي أكثر من أربعة ملايين شخص، بحاجة لمساعدات إنسانية، وهي تقدم المساعدات لأكثر من 2.5 مليون شخص في تلك المنطقة من هؤلاء الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية ماسة.

وفي حال تمكّن المجلس من تبني القرار، فإنه سيركز بشكل رئيسي على عدد من النقاط، أهمها الحاجة إلى زيادة المساعدات عبر خطوط التماس بنسبة أعلى مما يحدث حتى الآن، كما على أهمية تقديم تلك المساعدات عبر باب الهوى وآثارها المنقذة للحياة، وكذلك على أهمية زيادة الدعم لمشاريع الإعمار المبكر لسورية.

وترى روسيا والصين أن المساعدات عبر الحدود يجب أن تأتي مكمّلة لتلك التي يتم تقديمها عبر خطوط التماس إلى أن يتم الاستغناء عنها بشكل تام. ويعيش السوريون واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، كما فاقمت الحرب الأوكرانية من نسبة الاحتياجات. وبحسب الأمم المتحدة، فإن سورية تشهد أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 2011، لعدد من الأسباب الإضافية للحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار الوقود والسلع، من بينها انهيار الاقتصاد السوري والأزمة المصرفية اللبنانية وكورونا والفساد والعقوبات الأميركية مما شل قدرة ملايين السوريين على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وبحسب إحصائيات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن أسعار الغذاء في سورية ارتفعت بنسبة 800 في المائة خلال العامين الماضيين (2020- 2022). كذلك أشار البرنامج إلى أن ارتفاع أسعار القمح إلى مستوى قياسي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أدى إلى زيادة تكلفة سلة الغذاء التي يقدمها البرنامج بنسبة 37 بالمئة منذ بدء الاجتياح الروسي في فبراير/شباط الماضي. وفي ظل نقص في التمويل وزيادة الأسعار اضطرت الوكالة الأممية إلى تقليص حجم حصصها الغذائية لشمال غرب سورية. وفي حال لم يتم التمديد للآلية، والاكتفاء فقط بتقديم المساعدات عبر خطوط التماس، فإن هذا سينعكس كذلك بتقليص حجم المساعدات ليس بسبب البيروقراطية وطول المسافة فحسب، ولكن بسبب تكلفتها التي تزيد في الأوقات العادية عن تلك التي تقدم عبر الحدود. كما تواجه الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية نقصا في التمويل مما يزيد من التحديات التي تواجهها.

مخاطر عدم تقديم المساعدات عبر باب الهوى

وتحذر الأمم المتحدة من مخاطر عدم تقديم المساعدات عبر باب الهوى وتؤكد أنه لا يمكن تعويضها بتلك التي تقدم عبر خطوط التماس على الرغم من أنه يتم العمل بها، لأن تلك التي تقدم عبر خطوط التماس ليست مرهونة فقط بمزاج دمشق، بل كذلك بالقوى المسيطرة على الأرض التي تمر عبر مناطق نفوذها ناهيك عن أن تكلفتها أعلى بكثير. ودخلت الشمال الغربي لسورية العام الماضي خمس قوافل مساعدات وشملت 70 شاحنة محملة بالمساعدات. في المقابل دخلت أكثر من 800 شاحنة في الفترة نفسها إلى الشمال الغربي عبر باب الهوى.

وأكد نائب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سورية مارك كتس، لوكالة “فرانس برس”، أنّ “الفشل في تجديد القرار سيكون كارثياً، إذ لا خيار متوافراً حالياً يمكن أن يشكل بديلاً عما تقوم به الأمم المتحدة راهناً على مستوى الحجم أو النطاق”. وقال “نحن نعلم أن الأمور باتت أكثر تسييساً هذا العام من السنوات السابقة. فالتوترات شديدة للغاية مع الحرب في أوكرانيا”.

وفي حال استخدام روسيا حق النقض، فإن من بين البدائل المطروحة إيصال مساعدات عبر دمشق أو تشكيل منظمات الإغاثة الدولية لتحالف يعمل على مواصلة تقديم مساعدات عبر الحدود، وفق ما نقلت “فرانس برس” عن مسؤولي إغاثة بارزين من دون الكشف عن هوياتهم.

ورفض كتس الإفصاح عن خطط الأمم المتحدة في هذا المجال، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا يمكنها أن تحل مكان آلية إدخال المساعدات عبر الحدود، والتي تساهم بشكل كبير في التخفيف من المخاطر وفي عملية الإشراف والمراقبة. وقال “من دون دور للأمم المتحدة، ستكون هناك مساءلة أقل وشفافية أقل في عملية الاستجابة الشاملة… ومن الصعب ضمان ما سيكون الوضع عليه”.

واتهمت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء الماضي، النظام السوري بتعمّد ترك النازحين في مناطق خارج سيطرته، تعتمد كلياً على المساعدات الدولية. وقالت في تقرير إنه “منذ خسارتها السيطرة على مناطق شمال غرب البلاد، قطعت الحكومة السورية إمدادات الكهرباء والمياه، وعرقلت المساعدات وهاجمت المخيمات والمنشآت الطبية والمدارس، واضعة عبء تقديم الخدمات على كاهل المنظمات الدولية”. وشدّدت على أنّ “ما من حلّ فاعل لتقديم المساعدات الإنسانية الكافية في شمال غرب سورية إلا بتجديد آلية إيصال المساعدات الموجودة” عبر معبر باب الهوى.

المصدر: العربي الجديد