إدلب قلب عاصفة سورية

26

تمثّل إدلب خريطة التفاهمات الدولية، ليس سورياً فحسب، وإنما إقليمياً ودولياً، فحيث تتسع مساحتها لحشد قوات لكل المتصارعين على سورية، فهي اليوم مأوى ما يزيد على ثلاثة ملايين مدني مرحّل من كل مناطق سورية، إضافة إلى القوات الفصائلية المحلية والمختلطة، وهي تمثل المعبر لمصالح الدول داخل سورية وخارجها، وكما أنها وسيلة ضغط تحدّد مكانة محوري الصراع في منطقة البحر المتوسط، وتوزيع مهامها، في محاولةٍ روسيةٍ للخروج من التبعية إلى موقع الندّية مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى ذلك، فإن السعي الروسي إلى تأزيم ملف الصراع على إدلب يأخذ مستوياتٍ مختلفة، فهو، من جهة، بين شركائها في مساري المفاوضات أستانة وسوتشي (إيران وتركيا)، ومن جهة ثانية، بين دول التحالف الدولي تحت الزعامة الأميركية.
ويمثل استحضار نشاط المتطرّفين وترويجه إعلامياً، المتمثل بجبهة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، في الوقت الذي تلزم فيه روسيا حليفتها تركيا بالتخلي عنها، واعتبارها منظمة إرهابية، يمثّل تحدّياً جديداً أمام نزع أحد ملفات القوة التي امتلكتها تركيا على مدار سنوات أربع. وفي مقابل ذلك، لم يترك كل من إيران وتركيا، وهما طرفا الشراكة مع روسيا، الحبل بالكامل بين يديها، فقد سعتا إلى محاصرة أطماع موسكو بالتفرّد، من خلال تفاهمات بينية بينهما، أنتجت انسحاب المليشيات الإيرانية من محيط إدلب، لتخفيف الضغط عن الفصائل المدعومة تركياً، في مقابل خرق تركيا العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والإبقاء على تبادل السلع بين أسواقهما، لتخفيف عبء الحصار الأميركي على اقتصاديْهما، هو ما قد يترجم إلى تحالف القوى المهزومة أمام العقوبات الأميركية التي لم تستثن روسيا أيضاً منها، ويجعل من اجتماع طهران يوم الجمعة المقبل (7 سبتمبر/ أيلول) محطة مفصلية، لمواجهة مخاوفهم البينية من ناحية، ومخاطر التحرّك الأميركي الغربي في المقابل، من ناحية ثانية، فحيث لا يمكن تجاهل الخلافات التركية الروسية، بما يتعلق بدور كل منهما في ملف الصراع السوري، ومواقفهما المتضادّة أحياناً، على الرغم من شراكتهما في مساري أستانة وسوتشي، نتيجة مصالحهما المشتركة في إزهاق مسار جنيف الأممي الذي يتناقض مع رغبة موسكو بإعادة تعويم النظام السوري، كما يتضارب مع مصالح تركيا بما يتعلق بملف الأكراد، وتوسيع دائرة نفوذهم في الشمال، وفق دستورٍ يضمن حقوقهم كاملةً كمواطنين أفراد، وكجماعة قومية تتنافس معها على الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى إلى تمكينهم من إقامة مناطق إدارة ذاتية شمال سورية، ما يهدّد، حسب زعم تركيا، الأمن القومي لها، ويهدّد استقرار مناطقها المحاذية لها، وهو ما جعلها تذهب إلى التحالف مع روسيا، على الرغم من اختلاف مواقعهما في ساحة الصراع في سورية.
كما أن التعتيم على الخلافات المصلحية بين روسيا وإيران لا يجعل من تلك التباينات في ملف الصراع السوري غير مرئية للجانبين، فإيران تدرك حجم التقارب الروسي – الإسرائيلي، كما تقيس بدقة مسافة تقارب موسكو مع واشنطن، بما يتعلّق بمبادرة السلام المزعومة في منطقة الشرق الأوسط (صفقة القرن)، حيث تقضي تفاصيلها بإبعاد إيران وتحجيمها، وتغيير سلوكها بما يتوافق والإرادة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة، وبما يضمن أمن إسرائيل، وتوزيع خارطة النفوذ الاقتصادي بناءً على مبدأ الأرض مقابل السلام، والاقتصاد المتبادل مقابل الأمن والاستقرار. 
وتأتي الرغبة الأميركية بإخراج إيران من سورية في مصلحة تمدّد النفوذ الروسي، وبما لا يتعارض مع إرادة كل من إسرائيل والإدارة الأميركية والدول الأوروبية، حيث تمارس روسيا دور الشرطي في المنطقة، كما تمثّل خط الدفاع الأولي لأوروبا في إبعاد مخاطر نمو التطرّف الإسلامي، الذي تدّعي موسكو محاصرته في إدلب اليوم، وأن من شأن وجودها في سورية طويل الأمد أن يبدّد ما عملت عليه المجموعات المتطرّفة فكرياً خلال سنوات الحرب. 
وفي المحصلة، فإن الشركاء الثلاثة يحتاجون في اجتماعهم المقبل إلى تبديد مخاوفهم، والإفصاح عن مصالحهم، لإيجاد تقاطعاتٍ تحصّنهم من مواجهة ثنائية:
أولاً، ضد حلفائهم المحليين من النظام والمعارضة، حيث يعمل النظام على استرجاع منطقة خفض التصعيد الأخيرة، ليمتلك أوراق قوة تمكّنه من فرض رغباته في تفاهمات العملية السياسية، بدءاً من صياغة الدستور، مروراً بتشكيل الحكومة المشتركة بين شركاء طاولة التفاوض. ومن جهة المعارضة المسلحة، فإن أي تفاهماتٍ تؤدّي إلى تسوياتٍ على شكل ما حدث في درعا، وقبلها في الغوطتين، فهذا يعني إنهاء وجود الفصائل، وتحويلها إلى شرطة تحت إشراف مشترك روسي تركي، وهذا ما هو خلاف رغبتها، وتبعيتها التركية فقط، كما تجعلها، في الآن نفسه، في مواجهة جبهة النصرة التي تفوقهم عدداً وتدريباً وعتاداً. 
ثانياً، بمواجهة خصومهم الدوليين الذين يرفضون وجود إيران ضمن تحالفٍ يصون مصالحها في سورية، ويبدّد جهود الإدارة الأميركية في حصارها، وتسوير نشاطها داخل حدودها، كما يخالف رغبتهم بتحجيم دور تركيا في إدلب، ومحاصرة مساعيها في الشمال، لإنهاء الوجود الكردي الحليف لقوى التحالف الدولي في معاركهم ضد “داعش”. ما يعني أن الثلاثي الدولي (روسيا، إيران، تركيا) يواجه اليوم معضلة لقاء مصالحه البينية، في ظل حروبٍ على أطرافه “مجتمعة”، و”منفردة”، كما يواجه معضلة تفرّد موسكو وتنمّرها على شريكيْها، باعتبارها تمتلك إرادة النظام “الطرف الشرعي” في ظل الحرب المعلنة على الحليف الآخر، والأقرب للنظام أي (إيران)، ما جعل النظام يتنازع بينهما، وينقسم على نفسه بين نظام سوري روسي ونظام سوري إيراني. 
وينطبق هذا على حال الفصائل المسلحة المعارضة التي انقسمت أيضاً بين فصائل مسلحة تحت الرعاية الروسية وأخرى مسلحة تحت الهيمنة المباشرة التركية، وهو ما يهيئ أجواء متوترة للشركاء، على الرغم من الحالة الظاهرية للوفاق المعلن، حيث استغلت موسكو التوترات الأميركية – التركية لتلزم الأخيرة بالتخلي عن جبهة النصرة، والوقوف إلى جانبها في حربٍ محتملةٍ على الإرهاب الذي تمثله هيئة تحرير الشام، وفصائل من التركستان، والتي فتحت المجال لدخول الصين عليها طرفا مساندا للقوات الروسية، على الرغم مما يتّسع الوقت من مفاوضات لا تزال جارية بين الأطراف الدولية، لتطويق نتائج الحرب المحتملة التي ستبتلع جهود إيقاف تدفق اللاجئين، وإعادة توطينهم داخل بلادهم. 
في المحصلة، الحرب التي يروّجها النظام السوري في إدلب تجعله في قلب العاصفة، وتهيئ المناخ المناسب لانتزاع أسباب تأجيل الحل السياسي الذي سعت إليه روسيا من خلال مساراتها التعطيلية لمفاوضات جنيف، وتترك المجال عكس رغباته لإعادة إحياء مسار جنيف، على أساس أن “لا مكان للأسد في مستقبل سورية”، ليبدو النظام وكأنه يحفر حفرة لرئيسه، بدلاً من ردمها.

سميرة المسالمة
المصدر: العربي الجديد