إرهاصات الحضور العربي في سوريا

7
تمت في الأيام الأخيرة إعادة فتح سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في العاصمة السورية دمشق، تعبيراً عن إدراك متقدم لما بدأ الشعب السوري يتعرض له من تدخلات أجنبية، ولما يعانيه في مخيمات اللاجئين وجراء تعقيدات اللجوء والنزوح والهجرة.. حتى بات أحد أكثر الشعوب العربية تعرضاً للاضطهاد والإذلال والقتل.
هذه الحالة المأساوية للشعب السوري، يصفها بدقة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رعاه الله، بقوله إنهم «ضحايا اللعبة».
والحقيقة التي يعلمها الجميع هي أن دولة الإمارات، ومنذ بداية الأزمة في سوريا، لم تكن مقتنعة بما تقرر عربياً حول التعامل مع هذه الأزمة، والذي كانت نتيجته ترك سوريا ساحة مباحةً للتدخلات الأجنبية. وقد تجنبت الإمارات التدخل في الأزمة السورية أو التعاطي مباشرة مع الفصائل المتقاتلة. ومما يؤكد هذا التوجه، أن الإمارات اقترحت في عام 2016 تطبيع العلاقات مع دمشق، كجزء من خطة لإبعاد الأسد عن إيران، لكن إدارة ترامب لم تأخذ بهذه الخطة. وحاولت الإمارات تخفيف وطأة الأزمة على السوريين، وفي الوقت ذاتها تابعت التحول الدولي متمثلا في التوافق بين موسكو وواشنطن على بقاء نظام الأسد ولو إلى حين؛ وذلك لأنه لا توجد قوة إقليمية أو دولية قادرة على تغيير نظام الأسد، وهي حقيقة سلّمت بها الدول الأوروبية، وكذلك المعارضة السورية، كأمر واقع.
وفي سياق ما أعلنه الرئيس ترامب حول سحب قوات بلاده من سوريا، تساءل مقال للكاتب «أليكس فاتانكا» في مجلة «ناشيونال إنترست»، عما يعنيه الانسحاب الأميركي من سوريا، موضحاً أنه لا يزال محيراً للكثيرين في واشنطن نفسها، إذ ينظر إليه على أنه يعطي اليد العليا لثلاث جهات رئيسة منخرطة في الحرب السورية: روسيا، إيران (وحلفائها)، وتركيا. 
والواضح أن الإيرانيين قلقون من التطورات في سوريا وتأثيرها على وجودهم هناك. ويعتقد المراقبون أن ترامب ينسحب من سوريا في إطار خطة لكسر الشراكة بين إيران وتركيا وروسيا. فيما ترى وجهة نظر أخرى أن الانسحاب مخطط أميركي لإطالة أمد الحرب السورية ولحرمان إيران وروسيا ونظام الأسد من فرصة لحل النزاع سياسياً في الوقت الحالي على الأقل. وقد تقبلت المعارضة السورية إلى حد كبير هزيمتها العسكرية. والإيرانيون يلاحظون عدم وجود تحرك أميركي في سوريا لتمهيد الطريق أمام مقاربة عربية جديدة تجاه دمشق. لكن فاتانكا أشار إلى تحرك الإمارات لإعادة فتح سفارتها في دمشق ومشاركة السعودية في إعادة الإعمار، إضافة إلى زيارة الرئيس السوداني عمر البشير للعاصمة السورية.. لذلك فالمتوقع أن تلعب الدول العربية المؤثرة دوراً جوهرياً في جهود إعادة الإعمار بعد الحرب منعاً للتفرد الإيراني بالساحة السورية. وربما نجحت موسكو في إقناع الدول الإقليمية المؤثرة بمنطق أن وجود نظام قوي في دمشق سيجعل من سوريا أقل اعتماداً على إيران، وبأن موسكو نفسها تسعى إلى تقوية المؤسسات الإدارية والعسكرية والأمنية لنظام الأسد، بينما تسعى إيران لبناء مليشيات قوية موالية لها.
وفي استشرافي للمستقبل، أرى أن سوريا التي تحولت أرضها خلال السنوات الأخيرة الماضية إلى بؤرة ملتهبة وأصبحت كتلة حرجة تصارع وتقاتل فيها وحولها دول إقليمية وعالمية وفصائل وفرق ووكلاء ميليشياويين ووظيفيين وغير ذلك.. ربما تشكل في المستقبل بوابة للانفراج ولحل قضايا إقليمية معقدة وملحة.أحمد الحوسني
المصدر: صحيفة الاتحاد