إسرائيل تسعى لاقتناص فرصة تاريخية لفرض سيادتها على الجولان

يتقلب الإسرائيليون اليوم على جمر ما يجري من تحولات عاصفة ومزلزلة في المنطقة، لا سيما تلك التي تجري في سورية والعراق وفي المنطقة عموماً، من إرهاب دموي متنقل، طاول وما زال يطاول معظم دول الإقليم، وفي السياق هناك العديد من التحليلات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، التي باتت تعول على اعتبار الفوضى والأخطار القائمة والمحتملة، من «الضرائب» الإيجابية التي ينبغي أو يتوجب على إسرائيل أن تجبي نتائجها، سواء في الداخل الفلسطيني، أو في الجولان، وعلى صعيد كامل المنظومة الأمنية، وذلك في غياب دولة عظمى لها تأثيراتها الفاعلة في الشرق الأوسط، بإمكانها أن تجري توازنات وتعاوناً دولياً من أجل إحداث تهدئة إقليمية، فالولايات المتحدة لا تتحرك من دون تحالفات دولية في العراق، أو مع دول في المنطقة في سورية، وروسيا تبذل جهوداً لزيادة تأثيرها في المنطقة من خلال سورية. وذلك وفق تقديرات دائرة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان».

وفي استعراض لتقديراتها لهذا العام (2015) أمام هيئة الأركان العامة، قالت «أمان» ما ملخصه أن الفوضى الحاصلة في العالم العربي، وبخاصة الحرب في سورية وتمركز مسلحين من تنظيمات الجهاد العالمي وتنظيم «داعش» عند حدود إسرائيل الشمالية والجنوبية، من شأنها أن تهدد إسرائيل. حيث تذهب التقديرات إلى أن سورية المتفككة، بات نظامها لا يسيطر سوى على القليل منها فقط، وباقي المناطق عبارة عن كانتونات تسيطر تنظيمات مسلحة معتدلة ومتطرفة – إرهابية، وجميع هذه الجهات ليست على وئام في ما بينها، بل هي تتحارب مع بعضها.

وتتحسب إسرائيل كلما اقترب القتال في سورية من مرتفعات الجولان المحتلة، ومن احتمال تسربها إلى الجولان أو حتى أعمق من ذلك. الأمر الذي يبدو أنه بات أكثر من مغرٍ، ومتاح لأن تذهب إسرائيل إلى إجراء «جراحة تاريخية» في الجولان، في ظل استعصاء التوصل إلى تسوية تفاوضية مع نظام يتهاوى، وفي ظل عدم بروز أية بدائل يعتد بها من بين قوى المعارضة حتى الآن، وفي ظل تواصل الصراع الدموي والحرب الأهلية، وتشابكات المزيد من التداخلات الإقليمية والدولية، وهي كلها فاعلة أكثر من فواعل القوى المحلية.

مثل هذا الوضع، يدفع إلى الواجهة إمكانية فتح كوة في الجدار السوري، بهدف استغلال ما أطلق عليها «فرصة تاريخية». ولعل ما كتبه (تسفي هاوزر) سكرتير الحكومة الإسرائيلية في السنوات 2009 – 2013، في صحيفة «هآرتس» مؤخراً، هو خير ما يفصح عن الرؤية الإسرائيلية لمستقبل الجولان المحتل، رغم أنه يتناول الموضوع من وجهة نظر نقدية، فحواها عدم استغلال المستوى السياسي الإسرائيلي لما سماه «فرصة تاريخية» في العمل على الحصول على اعتراف دولي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، بادعاء أن هذه السيادة الإسرائيلية هي عامل استقرار إقليمي لا توفره البدائل الأخرى.

وكتب هاوزر أن عملية إنهيار الدولة السورية، التي بدأت قبل أربع سنوات وتكتمل اليوم، داهمت إسرائيل في وضع من «العمى الجيوسياسي – التاريخي»، حيث أن المفهوم المتوهم لـ «التسوية مع الأسد» (الأب)، والذي كان من المفترض أن يسحب سورية خارج ما يسمى «محور الشر»، في مقابل السماح للسوريين بوضع أقدامهم في مياه بحيرة طبرية، تبدل بسرعة، ولكن من دون إجراء عملية استخلاص غير ضرورية لصياغة مفاهيم بديلة.

ويضيف في شكل ساخر أن «الأداء اللامع» للمؤسسة الأمنية في شأن الأهداف المحددة، أتاح للمستوى الإستراتيجي – السياسي في إسرائيل تفويت استيعاب الفرصة، وتجنب تبني ما سماّه «رؤية تاريخية بنغوريونية»، وتجاهل الفرصة الحقيقية الأولى منذ نصف قرن في إدارة حوار بناء مع المجتمع الدولي، وذلك بهدف تغيير الحدود في الشرق الأوسط، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، كجزء من المصلحة العالمية في الاستقرار الإقليمي.

 

فرصة فريدة!

ولأن سورية لن تعود كما كانت، وأن مفعول التسويات التي رسمت الحدود والدول في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى قد انتهى، وأن المنطقة ستدخل في حالة من عدم الاستقرار لسنوات طويلة. يدعو هاوزر إلى أن تصوغ إسرائيل من جديد مصالحها الجيو – استراتيجية، وليس فقط على الجبهة السورية، من خلال النظر بعيداً إلى الغد وليس إلى الأمس، حيث أن هذه «الفرصة الفريدة» لتغيير المكانة الدولية لهضبة الجولان، نشأت بفضل تضافر عمليات تاريخية ونضوجها في النقطة الزمنية الحالية، ويجب على إسرائيل، وهي قادرة على ذلك، أن تفصل المحادثات مع المجتمع الدولي بشأن هضبة الجولان، عن المحادثات في شأن الضفة الغربية. وذلك على قاعدة أنه خلافاً للضفة الغربية، فإن المركب الجوهري المتمثل في السيطرة على شعب آخر غير موجود في الجولان، حيث أن «22 ألف درزي، يسكنون لحسن حظهم في الجانب الإسرائيلي من الجولان، مستحقون للمواطنة الإسرائيلية الكاملة، ولا يشكلون مشكلة ديمغرافية، لأنه توجد في الجولان غالبية يهودية تصل إلى 25 ألفاً. وعلاوة على ذلك، فإنه لا يوجد بديل للسيطرة الإسرائيلية على الجولان، حتى على المدى البعيد».

ولهذا يعتقد هاوزر أنه يجب إجراء عملية «تنسيق توقعات» مع المجتمع الدولي، في شأن بدائل السيطرة على المنطقة الواقعة بين القنيطرة وبين بحيرة طبرية، في السياق الشامل لاستقرار المنطقة، حيث أنه لا أفق آخر في الجولان باستثناء الأفق الإسرائيلي، ولن يتاح الاستقرار الإقليمي من خلال ما سمّاه «البدائل الإسلامية لداعش»، ولا البدائل الجهادية لـ «جبهة النصرة» و «القاعدة»، ولا من خلال موطئ قدم لإيران وحزب الله في بحيرة طبرية.

وينهي بالقول إن الضمانات الإستراتيجية المطلوبة هي «وديعة أميركية» شاملة بشأن الجولان، بما في ذلك ضمانات رئاسية وتشريعات في الكونغرس الأميركي، تضمن السيادة الإسرائيلية هناك. ويشير في هذا السياق إلى أنه في العام 1975 صدر تعهد رئاسي مكتوب من الرئيس الأميركي في حينه، جيرالد فورد لرئيس الحكومة الإسرائيلية، يتسحاق رابين، تضمن اعترافاً أميركياً في شأن حاجة إسرائيل الماسة لهضبة الجولان حتى في وقت السلم. ويخلص سكرتير الحكومة الإسرائيلية السابق إلى القول إنه بعد 40 عاماً، وعلى خلفية انهيار النظام السوري، وسيطرة «داعش» على مساحات واسعة في الشرق الأوسط، وما سمّاه «التسوية المتعفنة» المرتقبة مع إيران، فإن الإنجاز المطلوب والممكن لإسرائيل هو تحديث الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأميركي بشأن الجولان.

يجيء ذلك في ظل قناعات إسرائيلية غير ثابتة، وهي تتبدل في شكل دائم، بفعل التغييرات على الأرض، فإذا كان وزير الدفاع موشيه يعالون قد رأى أن الأسد انتهى، فقد ذهبت تصريحات عاموس جلعاد المستشار الاستراتيجي لوزير الدفاع لتعكس قلق دول المنطقة من أن سورية تشهد تقسيماً بحكم الأمر الواقع. والأسد لا يسيطر إلا على خُمس سورية، وربما ينتهي به الأمر بأن يكون مسؤولاً عن بقايا دولة تهيمن عليها الأقلية العلوية التي ينتمي إليها».

وقال جلعاد في مؤتمر نظمته مجلة «إيزرائيل ديفينس» قبل أيام، إن «سورية انتهت. سورية تموت. وسيعلن موعد الجنازة في الوقت المناسب. بشار الأسد هذا ستذكره كتب التاريخ على أنه الرجل الذي أضاع سورية». وأضاف: «حتى الآن خسر 75 في المئة من سورية، من الناحية العملية هو يحكم 20 في المئة فقط من البلاد. ومستقبله لو كان يمكنني التكهن به ينكمش طول الوقت. وربما سيصبح رئيساً لعلويستان».

ربما على هذه الخلفية من التوقعات والتقديرات الإسرائيلية، يكمن هدف التحرك من أجل تجديد «وديعة رابين» ولكن في شكل معدل هذه المرة، نظراً الى ما أصاب سورية والمنطقة عموماً من تغييرات استراتيجية قلبت موازين القوى عملياً لمصلحة العدو، أو جبهة من الأعداء غير الودودين في ما بينهم، على رغم انسجام مصالحهم نسبياً تجاه دول الإقليم العربي، وفي غياب الأسد الأب وربما في غياب الأسد الإبن، قبل أو بعد، لا يهم، المهم استغلال الوضع الناشئ في المنطقة، وإحداث نوع من «اختراق تاريخي» هو في مثابة «فرصة تاريخية» كما يسميها تسفي هاوزر، و «تنسيق توقعات» مع المجتمع الدولي، أو «وديعة أميركية شاملة». فإلى أي مدى يمكن أن يتحقق «مستحيل» فرض السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، بعد ثمانية وأربعين عاماً من احتلالها، وهي هضبة سورية، قبل أن تكون من أملاك آل الأسد، وستبقى بعدهم ملكاً للشعب السوري؟

 

ماجد الشيخ

الحياة اللندنية