إسرائيل وروسيا: تعاون أمني متطور في سوريا

32

استطاعت إسرائيل، رغم الحلف بين روسيا وأعدائها في الساحة السورية، أن تبني تفاهمات معها حول مصالحها الأمنية في سوريا على الأقل وهذا ينعكس في سبع زيارات للكرملين قام بها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في السنوات الثلاث الأخيرة. ورغم مواقفها المعلنة ضد الاحتلال، لم تسجل روسيا موقفا مناهضا حقيقيا على الأرض لمساندة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ولم تتغير الحالة هذه رغم محاولات السلطة الفلسطينية تغيير مواقفها وإخراج بعض بيضاتها من السلة الأمريكية وتأخذ موسكو مصالحها أولا بالعلاقة مع إسرائيل. وتتمثل هذه المصالح في الأساس في منع نقل سلاح من الساحة السورية إلى لبنان، ومنع اقتراب الحرب من الحدود الإسرائيلية، ومنح إسرائيل حق الرد على هجمات عليها من أطراف داخل الساحة السورية. ومما سهَّل التوصل إلى هذه التفاهمات التأكيد الإسرائيلي للجانب الروسي كل الوقت على أنها محايدة في الصراع في سوريا ولا تدعم طرفًا ضد الآخر وأنها لا ترى نفسها شريكا في تحديد مستقبل سوريا، الأمر الذي دفع روسيا إلى الأخذ بعين الاعتبار المصالح الإسرائيلية ذات الطابع الأمني في سوريا. هناك خلاف في إسرائيل بين من يعتقد أن هذه التفاهمات قد تؤدي إلى علاقات استراتيجية بين الجانبين، ومن يعتقد أنها ستبقى تفاهمات تقنية ذات صلة بالوضع الأمني القائم في سوريا فقط، ولا شك في أن دخول دونالد ترامب للبيت الأبيض قد يذهب بهذه التفاهمات إلى اتجاهات أخرى. وتوثقت العلاقات بين إسرائيل وروسيا في أعقاب التدخل العسكري الروسي في سوريا، وأخذ التنسيق بينهما بالتصاعد بدرجة كبيرة، في محاولة لمنع وقوع حوادث ذات عواقب وخيمة، مثل إسقاط الطائرة الروسية على الأراضي التركية قبل سنتين، وخلال هذه الفترة، شددت إسرائيل على رفضها أي تواجد إيراني في هضبة الجولان.
وفي ظل معرفة الولايات المتحدة وإسرائيل بتضارب المصالح بين روسيا وإيران في سوريا، ستواصلان تحريض الكرملين وتحذيره من «التوسع الإيراني» ما يمكن أن يمهد لتطور علاقة روسية أمريكية إسرائيلية، يضمن كل منهم حصته، وتتيح لترامب التراجع عن الاتفاق النووي الذي وصفه بـ «الاتفاق الأكثر غباء في التاريخ».
وانطلقت العلاقات الروسية-الإسرائيلية بعد التدخل الروسي العسكري في سوريا من تفهم الطرفين للمصالح السياسية للبلدين في البيئة الإقليمية والدولية، ويحمل التفهم الإسرائيلي للمصالح الروسية في سوريا دورا إيجابيا في توثيق العلاقة بينهما. لذلك فإن إسرائيل امتنعت سابقًا عن التنديد بالحرب الروسية على جورجيا، أو ضمِّ شبه جزيرة القرم وتدخلها في الحرب الأهلية المحدودة في أوكرانيا، مخالفة في ذلك الموقف الأمريكي الرسمي الذي يعتبر روسيا تهديدا دوليا جديا في عهد الرئيس بوتين. وتكرر الأمر نفسه في التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 حيث استغلت إسرائيل ذلك لبناء تفاهمات عسكرية وسياسية مع روسيا فور تدخل الأخيرة في سوريا. وتعتبر إسرائيل أن التدخل الروسي الفاعل في المنطقة هو مؤشر لصعودها كقوة دولية مؤثِّرة على البيئة الإقليمية، وربما يفوق التأثير الأمريكي، خاصة بعد توتر علاقة الأخيرة مع حلفائها التقليديين في المنطقة فترة إدارة أوباما. وصرَّح مسؤولون إسرائيليون أكثر من مرة، وخاصة وزير الأمن السابق، بوغي يعلون، أن الولايات المتحدة تركت فراغا كبيرا في الشرق الأوسط؛ مما حدا بروسيا لاستغلاله ودخولها للمنطقة عبره. واعتبر أن سياسة «الجلوس على الجدار» التي تتبعها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تدل على ضعفها أمام التدخل الروسي.
ويعتقد خبراء إسرائيليون أن التدخل الروسي في سوريا أسهم بالذات في تعزيز العلاقات والتفاهمات بين البلدين فيما يتعلق بالبيئة الإقليمية؛ حيث يتفق الطرفان على ضرورة الحفاظ على الاستقرار في المنطقة من خلال وجود أنظمة سلطوية غير ديمقراطية. وفي الوقت نفسه يشير خبراء إلى أن هناك تخوفا من ترك روسيا لسلاح روسي متقدم للجيش السوري بعد انسحابها، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، كما أن التواجد الروسي يُعزِّز «المحور الشيعي» في المنطقة على حساب المحور السنِّي المُعتدل، حسب التسميات الإسرائيلية. بين هذا وذاك تسعى إسرائيل للتقرب من روسيا وتعزيز علاقاتها معها بموازاة العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وكشفت معطيات إسرائيلية رسمية أمس أن هذا أيضا هو موقف الإسرائيليين، إذ تبين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حاز على ثقة 73 في المئة ممن شاركوا بالتصويت من المهاجرين اليهود الروس في إسرائيل أصحاب حق الاقتراع في الانتخابات التي جرت قبل عشرة أيام. وكانت السفارة الروسية في تل أبيب فتحت صناديق اقتراع خلال الانتخابات الرئاسية وانتخب 8718 من 12007 إسرائيلي صاحب حق اقتراع، الرئيس بوتين. وفاز في المكان الثاني كاسانيا سوبتشيك بنسبة 14 في المئة من أصحاب حق الاقتراع الذين مارسوا حقهم بالتصويت، تلاها يافالانسكي غريغوري مع 6 في المئة وفي المكان الرابع غرودنين فابل مع 6 في المئة من الأصوات. لكن نسبة المشاركين الإسرائيليين من أصل روسي في الانتخابات الرئاسية الروسية بقيت متدنية جدا ولم تتجاوز الـ 10 في المئة من مجمل أصحاب حق الاقتراع في إسرائيل (121 ألفا). 
ويقيم المهاجرون الروس داخل المدن الإسرائيلية الكبيرة مثل أبيب، حيفا، عسقلان، نتسيرت عليت، سدود، ريشون لتسيون وبئر السبع. يشار إلى أن الهجرة اليهودية من روسيا بلغت ذروتها في مطلع تسعينيات القرن الماضي غداة انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث بلغ فلسطين المحتلة نحو مليون مهاجر جديد منها. ويحافظ هؤلاء بأغلبيتهم الساحقة على اللغة الأم وعلى تقاليد وثقافة روسية. وسياسيا ينتمي المهاجرون الروس للأحزاب الإسرائيلية اليمينية كـ «يسرائيل بيتنا» و«الليكود» وغيرهما. ورئيس حزب «يسرائيل بيتنا « أفيغدور ليبرمان، هو وزير الأمن الحالي في حكومة الاحتلال وهو لا يتوقف عن التحريض على الفلسطينيين في طرفي الخط الأخضر ويحتوي برنامج حزبه السياسي فكرة ترحيل فلسطينيي الداخل سكان منطقة المثلث المجاور للضفة الغربية ولا يتوقف أيضا عن طرد النواب العرب في الكنيست إلى غزة. 
في هذا السياق كان قد صدر عن ديوان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو رسالة خطية ترحيبية لفلاديمير بوتين بفوزه. وجاء في رسالة تهنئة نتنياهو: «يا فخامة الرئيس، الرجاء قبول أصدق التهاني مني شخصيا بمناسبة فوزكم في الانتخابات الرئاسية. أثمن كثيرا الحوار الشخصي الذي يدور بيننا وأتطلع إلى مواصلة العمل معكم بشكل وطيد بروح الثقة والتفاهم التي تسود بيننا وذلك من أجل دفع مصالح دولتينا الحيوية قدما».

وديع عواودة

المصدر: الشرق الأوسط