إعمار سوريا.. أم ماذا؟

28

من جديد يطلّ علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طارحاً قضايا إشكالية غريبة ومستهجنة. ويأتي الكلام هذه المرة على لسانه عبر تغريدة على تويتر يقول فيها إن السعودية ستتكفل بالمبلغ المطلوب بدلاً من الولايات المتحدة، وإن «المملكة العربية السعودية وافقت الآن على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعمار سوريا بدلاً من الولايات المتحدة».
والجدير ذكره أن الولايات المتحدة لم تعلن عن استعدادها يوما لإعادة إعمار سوريا، ولم يصدر أي تعليق من السعودية حول إعادة الإعمار، وهذا لا يعني أن السعودية ترفض المساهمة، لكن ترامب لا يترك فرصة إلاّ ويستغلها للحديث عن الدول «فاحشة الثراء» في المنطقة، وكأن الولايات المتحدة دولة فقيرة لتحسد الدول الأخرى على ثرائها، لكن رسائل ترامب الجشعة باتت معروفة وأساليب الابتزاز غدت واضحة للجميع، خاصة أنه تحدّث قبل ذلك عن انسحابات عسكرية من سوريا وأفغانستان في محاولة لخلط الأوراق مجدداً، واستدراج عروض شراء أسلحة أو إعادة فرض شروط سياسية على اللاعبين الذين يعتقد ترامب أنه يتحكم فيهم وقراراتهم.
وعلى الجانب الآخر من اللعبة السياسية ينشط الرئيس الروسي وأصدقاؤه الأوربيون في الحديث عن سوريا، ويتناغمون من الرئيس الأمريكي، وكأن العالم تديره جوقة يعتقد المشاهدون اختلافها وتناحرها، بينما أعضاؤها منسجمون تحت الطاولة. فالرئيس الروسي تواصل مع المستشارة الألمانية ميركل، واستعرضا القضايا «المتعلقة بالأزمة السورية بالتركيز على تطبيق قرارات القمة الرباعية بين روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا التي عقدت في نهاية أكتوبر الماضي في إسطنبول»، والمهم في اتصال بوتين مع ميركل أن بوتين شدد على «أن العمل الذي قامت به الدول الضامنة لعملية آستانا والخاص بتشكيل قائمة أعضاء اللجنة الدستورية يخلق ظروفاً ملائمة لتسوية صارمة وطويلة الأمد في سوريا».
وتأتي تصريحات الرئيس الأمريكي ومحادثات الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية في وقت تدق تركيا طبول الحرب في سوريا، علماً أن تركيا هي إحدى الدول الموقعة على قرارات القمة الرباعية، الأمر الذي يضع هذه التصريحات في خانة التغطية على أمر جلل يتم الترتيب له في الخفاء، ربما لإطلاق يد تركيا في سوريا، أو التخلي عن الجماعات المسلحة المتعاونة مع الولايات المتحدة أو المناوئة لها، مع العلم أنه مر وقت كانت الولايات المتحدة فيه تدعم جميع المتقاتلين من متطرفين وأكراد وجيش سوري حرّ وخلاف ذلك.
إن الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا، يطرح أسئلة بالضرورة عن إعادة الإعمار في أمكنة كثيرة مثل: العراق وليبيا واليمن، إلاّ إذا كان الموضوع السوري له أهمية إستراتيجية واقتصادية مختلفة عن الموضوعات الأخرى، وهو ما نرجّحه، لاسيما مع التقارير التي تسربت عن وجود حقول نفط وغاز هائلة في المياه الإقليمية السورية في البحر الأبيض المتوسط، فهل يعقل أن تكون الكعكة قد تم تقسيمها بين اللاعبين؟ وهل تستحق هذه الكعكة أن يروح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين وتدمير البنية التحتية للمدن والقرى، وتهجير ملايين الناس؟ قد ينبري أحد الاقتصاديين فيؤكد أنها تستحق، وينظّر لها بوقاحة، إلا أنها بكل تأكيد لا تستحق، ولا يمكن أن تساوي كل حقول النفط والغاز قطرة دم طفل أريقت، ولا هدم مدرسة ولا دمار مستشفى.
هل سيحشد العالم دبلوماسيته لتثبيت الهدنة (طويل الأمد) التي تحدث عنها الرئيس الروسي في سوريا، ويفتح جبهات أخرى في غزة أو لبنان؟ 
العام القادم سيكون مثقلاً بالأحداث الجسام، إيجابياً أو سلبياً، لكن الطريقة التي يتم التعامل بها مع مصائر الشعوب في المنطقة، لا تجعلنا نطمئن كثيراً إلى النوايا. فالعالم العربي، ودول العالم هو مسرح للصراعات والابتزازات والاستغلال منذ مئات السنين، ولم يطرأ أي تغيير على مشهده، بل إنه يزداد تعقيداً خاصة مع إقامة دولة صهيونية عنصرية في فلسطين ساعدت في تشتت العرب وانقسامهم.

عبدالله السويجي
المصدر: الخليج