إقرار اللجنة الدستورية السورية: مقدمة لحل سياسي أم معركة جديدة؟

50
توصلت القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع على سورية، أخيراً، إلى تفاهمات سياسية ينتظر أن تترجم بالإعلان عن تشكيل لجنة دستورية مؤلفة من النظام والمعارضة، منوط بها وضع دستور جديد للبلاد. وستتضح الصيغة النهائية لهذه اللجنة بعد اللقاء المنتظر أن يستضيفه، اليوم الثلاثاء، المبعوث الدولي الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ويضم وزراء خارجية الثلاثي الضامن لمسار أستانة (تركيا، إيران، روسيا)، من أجل إقرار اللجنة الدستورية قبيل التقييم الذي سيقدمه دي ميستورا إلى مجلس الأمن في العشرين من الشهر الحالي “حول إمكانية إنشاء لجنة دستورية ذات مصداقية، متوازنة وشاملة”، وفق تصريح صدر عن المبعوث الدولي وعمم على الصحافيين.

وفيما أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أمس الاثنين، أن وزراء الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والتركي مولود جاووش أوغلو، الإيراني محمد جواد ظريف، سيبحثون تشكيل اللجنة الدستورية في جنيف، اليوم، أكّد المتحدث باسم هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية، يحيى العريضي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “اللجنة الدستورية ستقرّ”، لافتاً إلى أنّ هذا الإقرار يأتي بعد ضغط أميركي، في إشارة إلى التهديد بإلغاء مسار أستانة ما لم يحرز أي تقدم في ما يتعلق باللجنة والدستور السوري.

وتأمل المعارضة أن يكون تشكيل اللجنة بداية لحلّ سياسي طال انتظاره. أمّا المبعوث الأممي، الذي حمّل النظام السوري مسؤولية تأخير اللجنة، ما جعله يتعرّض لانتقادات عدة من وسائل إعلام النظام قبل النهاية المرتقبة لمهمته، فحرص على التأكيد على أنّ اللجنة ليست ضمن القرار الأممي 2254 (2015)، وإنْ أشار إلى أنّ المشاورات تجري وفقاً لهذا القرار، بالإضافة إلى البيان الختامي لمؤتمر سوتشي الذي عقد في نهاية يناير/ كانون الثاني 2018، مع الأخذ بالاعتبار الحيز الزمني المشار إليه في البيان المشترك في اسطنبول لقادة فرنسا وألمانيا والاتحاد الروسي وتركيا.

ويعدّ مبدأ اللجنة الدستورية نتاج مؤتمر “سوتشي” أو ما سمي  بـ”مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي عقد مطلع 2018 بحضور وفد موسّع يمثّل النظام والموالين له والبعض من قادة المعارضة المتباينة المواقف. وكان دي ميستورا قد أقرّ في الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف، التي عقدت في بدايات العام الفائت، وذلك بالاتفاق مع المعارضة والنظام، مبدأ التفاوض على أربع سلال، هي: الحكم، الدستور، الانتخابات، ومحاربة الإرهاب.

ويُفترض أن تتألّف اللجنة الدستورية المنوط بها وضع دستور سوري جديد، من 150 عضواً، ثلثهم من المعارضة التي تمثّلها الهيئة العليا للتفاوض، وثلث آخر من النظام السوري، والثلث الأخير ممن يختارهم دي ميستورا، على أن يتم اختيار 15 عضواً منهم لصياغة دستور دائم للبلاد. وكانت المعارضة قد قدّمت، في يوليو/ تموز الماضي، قائمة بمرشحيها إلى اللجنة الدستورية، وضمت ممثلين عن مكوّنات الهيئة العليا للتفاوض، من “الائتلاف الوطني السوري”، و”هيئة التنسيق الوطنية” التي ينظر إليها باعتبارها ممثلة لمعارضة الداخل السوري، ومنصتي “موسكو” و”القاهرة”، والفصائل العسكرية، ومستقلين.

بدوره، قدّم نظام بشار الأسد تحت ضغط روسي، في أواخر مايو/ أيار، قائمته إلى المبعوث الدولي التي ضمّت أعضاء وفد النظام التفاوضي إلى جنيف، ما عدا رئيس الوفد بشار الجعفري، بالإضافة إلى عدد كبير من أعضاء حزب “البعث” الحاكم للبلاد منذ عام 1963. وبقي الثلث الأخير من اللجنة الدستورية مثار جدل طيلة أشهر، إذ رفض النظام أي تدخّل من المبعوث الدولي في وضع أسماء مرشحي المجتمع المدني، في محاولة منه لتعطيل تشكيل اللجنة، فيما حاول الروس ترشيح أسماء تميل للنظام لضمان نسبة أكبر موالية للأخير في اللجنة، وهو ما عرقل تشكيل اللجنة لأشهر عدة.

كذلك تطالب المعارضة السورية بأن تكون أعمال اللجنة الدستورية، التي ترعاها الأمم المتحدة، جزءاً لا يتجزأ من العملية الدستورية المتكاملة، على أن تصب نتائجها في صالح المسار التفاوضي من العملية السياسية في مسار جنيف، والمتوقفة حالياً بانتظار تشكيل اللجنة الدستورية.ويعزّز مسار التعطيل الطويل الذي مارسه النظام وحلفاؤه لعرقلة تشكيل اللجنة كي لا تكون مقدمة لحل يقوم على انتقال سياسي يرفضه النظام الذي كان يصرّ على دستور وضعه عام 2012، الشكوك في إمكانية تحقيقها اختراقات كبيرة على هذا الصعيد، وسط توقعات بأن تشهد الاجتماعات خلافات جوهرية، إذ تسعى المعارضة إلى وضع دستور جديد يسحب صلاحيات الرئيس المطلقة، ويقلّل من فرص استمرار بشار الأسد في السلطة.

وكانت المعارضة السورية تبحث عن إنجاز مبدأ الانتقال السياسي قبل العملية الدستورية، وفق قرارات دولية، منها بيان “جنيف 1” والقرار 2254، واللذان يؤكدان على إنشاء هيئة حكم انتقالية تضع دستوراً للبلاد خلال المرحلة الانتقالية، لكن محاولتها باءت بالفشل، واضطرت للقبول بمناقشة الدستور الدائم تحت ضغوط إقليمية ودولية.

ومن المتوقّع أن تشهد أعمال اللجنة خلافات جوهرية وعميقة، إذ يصرّ النظام على إجراء تعديلات طفيفة على دستور وضعه في العام 2012 يمنح الرئيس سلطات مطلقة. فيما تصرّ المعارضة في المقابل، على وضع دستور جديد يقلّل من صلاحيات الرئيس، ويحدّد الجهات المخولة بالسيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية التي هي اليوم أدوات قمع بيد رئيس الجمهورية، في ظلّ غياب أي صلاحية للحكومة والبرلمان في ذلك. كما تسعى المعارضة إلى تقليص فرص مشاركة رئيس النظام بشار الأسد في أي انتخابات مقبلة، وفق الدستور الجديد، الذي ترى أنه “لا بدّ من طرحه للاستفتاء الشعبي”، وأن تجري مفاوضات حول الانتقال السياسي بالتوازي مع أعمال اللجنة الدستورية.

من جانبه، أشار عضو هيئة التفاوض، أحمد العسراوي، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أنّ النظام “عطّل لمدة عام تقريباً، بدعم من حلفائه، التنفيذ الفعلي لمخرجات سوتشي التي وافق عليها، ونظرت هيئة التفاوض السورية إليها بإيجابية وموضوعية”. وأعرب العسراوي عن اعتقاده بأنّ “التصعيد الأخير للمجموعة المصغرة حول سورية، وتصريح المبعوث الأميركي الجديد، جيمس جيفري، بانتهاء دور مساري أستانة وسوتشي، دفعا للاتفاق وتنشيط مخرجات سوتشي بعد خمول متعمّد لما يقارب العام”، مشيراً إلى أنّ “التغيرات في المواقف والتوازنات الدولية دفعت بهذا الاتجاه”.وفي السياق، قال رئيس منصة “القاهرة”، فراس الخالدي، في حديث مع “العربي الجديد”، إنه “حتى اللحظة لم تنجز هذه الخطوة (إقرار اللجنة الدستورية)، والأمر لم يحسم”، مضيفاً “لكن هناك القرار 2254 وعلى الجميع تطبيقه والالتزام به وبما نصّ عليه من خطوات، لتطبيق عملية الانتقال السياسي”. ورداً على سؤال حول أهمية تشكيل اللجنة الدستورية وهل ستكون بوابة لحلّ سياسي دائم، رأى الخالدي أنه “في حال تم إنجازه (الدستور) بطريقة صحيحة ومتوازنة لا تكون فيها الغلبة لأحد، وكانت بوصلة النظام والقادمين جميعاً هي سورية، نعم سيكون الدستور اللبنة الأولى لبداية الحل”.

وحول الخطوات اللاحقة لإقرار اللجنة الدستورية، قال العسراوي “من المفترض أن تكون الخطوات متزامنة، وهي أن يتم إقرار تشكيل اللجنة الدستورية من مجلس الأمن الدولي بعد اطلاع المبعوث الدولي على مقترح الثلاثية، بالتزامن مع إقرار القضايا الإجرائية لعمل اللجنة الدستورية”.

ويعدّ إقرار اللجنة الدستورية المهمة الأخيرة للمبعوث الدولي الذي حمّل النظام السوري مسؤولية تعثّر جهوده طيلة أعوام توليه مهمته، وهو ما أثار حفيظة النظام الذي شنّ هجوماً عليه، أمس الاثنين، عبر صحيفة “الوطن” الموالية له، والتي رأت في مقال لها أنّ دي ميستورا “شخص مهزوم سياسياً وأخلاقياً”، وأنه “يرحل وهو يشنّ آخر هجماته على سورية، مردداً السخافات ذاتها التي دأبت قوى الإرهاب على ترديدها”.

وقال دي ميستورا، في حلقة نقاشية في منتدى الدوحة الثامن عشر، يوم الأحد الماضي، إنّ “الدستور هو نقطة الانطلاق، وتقسيم السلطات هو شيء مهم وكبير، لكن اللجنة ليست ضمن القرار الأممي 2245″، مضيفاً “مهما تكن الدول كبيرة ومهمة، فإنّ القرار في النهاية هو للأمم المتحدة، وإن لم تعط موافقتها على هذه اللجنة (الدستورية)، فإنها ستكون غير شرعية”. وأشار إلى أنّه “يجب على الجميع أن يدركوا أنه لا يمكن الفوز ببساطة… وإن وجد حلّ في سورية لا يتضمن كلمة إشراك، ولم يتحقق من خلال دستور قوي وشامل، فستحصل مشكلات كبيرة”، مضيفاً “السوريون هم الذين يجب أن يقرروا. الأمم المتحدة مهمتها إطلاق عملية شاملة وقابلة للحياة.

محمد امين
المصدر: العربي الجديد