إلى مزيد من التوتر والصراع

35

تبدو «المسألة السورية» باطراد، مجرد ذريعة، والأرض السورية مجرد ساحة للصراع العنيف بين قوى اقليمية ودولية على إعادة امتلاك المنطقة، لتغيب هي نفسها وراء قرقعة الحراب هذا، بوصفها مسألة شعب أراد أن يكون ويمتلك مصيره للمرة الأولى منذ نصف قرن. كان من شأن إجماع دولي ـ إقليمي ـ عربي أن يسهِّل على السوريين التخلص من الدكتاتور الدموي المعتوه ونظامه، فيتخلص العالم أيضاً من كل الأذى الذي يستطيع إلحاقه بالجميع. لكن ظهر أن لـ»العالم» رأيا آخر، وهو ينظر إلى هذا الفيروس القاتل بوصفه فرصة، قد لا تتكرر، في الصراع على السلطة والنفوذ في هذا الاقليم الواسع. فنظام لا يتردد لحظة واحدة في تدمير البلد الذي يحكمه، مغامراً بتفكيكه وإلغائه من الخارطة، إذا تهدد وجوده في السلطة، يشكل فرصة ذهبية حقاً لكل الدول لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه في الظروف العادية.
تضافر ما يفعله هذا النظام بسوريا مع وجود إدارة أمريكية تسعى إلى الانسحاب المنظم من الإقليم، فبات لدينا فراغ في القوة جاءت لتملأه روسيا بوتين، وتسعى طهران إلى توسيع مجال نفوذها الموجود إلى مناطق جديدة كاليمن، وتعزيز القديم منها كدمشق وبيروت وبغداد. بالمقابل كان حلم تركيا الأردوغانية، عند بداية الثورة السورية، هو انتقال دمشق من النفوذ الإيراني إلى النفوذ التركي من خلال حكم إسلاميين، بدا لها النتيجة المنطقية لسقوط نظام الأسد.
بعد فشل الثورة السورية في إسقاط النظام، تقلص الحلم التركي إلى نفوذ في الشمال وترك العرب والإيرانيين لحسم الصراع فيما بينهم على ما تبقى. وإذا كان اللغم الكردي قد عرقل هذا التمدد التركي في الشمال، فقد تكفل الخذلان الأمريكي لأنقرة بكبح طموح أردوغان، وجاءت روسيا لتقطع آخر خيوط الأمل لديه بإقامة منطقة عازلة شمال حلب، تفصل بين «كانتون عفرين» و»كانتون كوباني» لمنع إقامة كيان كردي ممتد في الشمال، يفصل تماماً بين تركيا وسوريا.
وكما وفرت وحشية النظام الكيماوي «سوقاً» مفتوحة لبيع سوريا قطعةً قطعة، وفرت «دولة الخلافة الإسلامية» التي أقامها تنظيم الدولة، بتحفيز مباشر من نظامي المالكي والأسد، على مساحات واسعة من العراق وسوريا، الذريعة المناسبة لكل من يرغب من دول العالم لتجرب حظها على مائدة القمار الدموية في سوريا. في هذا الإطار يمكننا قراءة كل من التوتر الروسي – التركي، في الشهرين الماضيين، والتوتر الإيراني – السعودي المستجد. وكما كان إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية مجرد ذريعة تمسك بها بوتين ليكرس لنفسه دور صاحب الكلمة الأولى في تحديد مصير سوريا، كان إعدام الشيخ السعودي نمر باقر النمر ذريعة لطهران لدفع صراعها مع السعودية إلى نقطة أعلى من التوتر، في أعقاب إنشاء السعودية لتحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، وإقامة «مجلس تعاون استراتيجي» سعودي ـ تركي.
اللافت في التوتر الجديد هو تعامل طهران مع قضية النمر كما لو كانت تخصها. قد يمكن الاعتراض على حكم الإعدام بالمطلق كوسيلة لمعاقبة المجرمين، وقد شملت الإعدامات التي تم تنفيذها في السعودية 47 شخصاً، لم يكن النمر إلا واحداً منهم. وفي حين ألغت بعض دول العالم عقوبة الإعدام من قوانينها، في سياق تيار حقوقي عالمي يدفع بهذا الاتجاه، تحتل إيران المرتبة الثانية، بعد الصين، في قائمة الدول الأكثر تطبيقاً لعقوبة الإعدام. نظام ولي الفقيه الذي شجع شبيحته على الهجوم على السفارة السعودية في طهران، والقنصلية السعودية في مشهد، انتقاماً من إعدام المواطن السعودي النمر، يتصرف كأن النمر طائرة إيرانية أسقطتها السعودية بسبب اختراقها لأجوائها، على غرار ما حدث للسوخوي الروسية قبل شهرين. وهو بذلك كمن يعطي المبرر الكافي لإعدام الرجل، بمفعول رجعي، كمواطن سعودي ولاؤه لدولة أجنبية كإيران هي في حالة عداء معلن مع بلده. فإذا كانت هذه حال إيران التي لم يهمها من إعدام 47 سعودياً إلا من تعتبره بمثابة طائرة من طائراتها الحربية، فما بال حسن نصر الله، المفترض أنه لبناني «مقاوم لإسرائيل» يرغي ويزبد لإعدام رجل سعودي، كحاله حين تباكى على الانقلابيين الحوثيين في اليمن؟
الواقع أن إيران وبيادقها في بعض الدول العربية لا يملكون أي قضية يغطون بها صراعهم السياسي على النفوذ الاقليمي، غير العصبية المذهبية الشيعية، في حين فشلت المنظمات الجهادية، وعلى رأسها داعش»، في خلق عصبية سنية مقابلة، فكان على السعودية أن تصارع على جبهتين، «الداخلية السنية» إذا جاز التعبير ضد داعش وأخواتها، والخارجية ضد إيران وبيادقها. وذلك في شروط غير متكافئة من تحالف روسي ـ إيراني من جهة، وتقارب أمريكي – إيراني من جهة ثانية. بوجود ساحة صراع مثالية في سوريا (والعراق واليمن وليبيا، بحدود متفاوتة) لن تحتاج القوى المتصارعة إلى حروب مباشرة بين جيوشها. لن تنشب حرب روسية ـ تركية مباشرة، ولا حرب إيرانية ـ سعودية مباشرة. سيستمرون جميعاً في حروبهم على الأرض السورية بالدرجة الأولى، إذا كان النظام الكيماوي هنا لا يتورع عن أي شيء، بما في ذلك قتل الناس جوعاً كحال سكان مضايا المحاصرة الآن.
أما قرار مجلس الأمن رقم 2254 المتعلق بـ»حل سياسي» مزعوم للصراع في سوريا، فواضح أن كلاً من روسيا وإيران تعملان بكامل طاقتيهما لتطويعه تماماً بما يتفق مع أهدافهما، مع أنه أصلاً غير قادر على حل أي مشكلة، بسبب ميوعته وتجنبه للعقد الأشد أهمية. فتقوم روسيا باغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، وتطالب بإخراج هذا الفصيل، ومعه أحرار الشام، من العملية السياسية المقترحة، ويطالب هيثم مناع الأمم المتحدة بحصة في المفاوضات على مصير سوريا مقدارها 16% حسب زعمه، ويعلن لؤي حسين انسحابه من الهيئة العليا للمفاوضات بالتزامن مع الحملة الإيرانية على السعودية.
من المحتمل، في ظل الظروف الحالية، أن يتعذر إقامة مفاوضات بين النظام والمعارضة حتى لو أن مصيرها لن يختلف كثيراً عن تلك التي جرت، قبل عامين، في جنيف. فلا يمكن تصور تعاون في رعاية المفاوضات المفترضة بين روسيا وتركيا، أو بين إيران والسعودية، والدول الأربع هذه موجودة ضمن مجموعة عمل مسار فيينا التي من المفترض أن ترعى هذه المفاوضات. فإذا أضفنا الضغوط الروسية ـ الإيرانية على المبعوث الأممي ديمستورا للعب بتركيبة الوفد المفاوض من طرف المعارضة، أمكن لنا توقع فشل العملية برمتها قبل أن تبدأ.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي