إيران دولة كبرى في المنطقة لا زعيمة لها!

لا يُنكِر الغربيون وفي مقدمهم أميركا أن ايران برهنت منذ تأسيسها أنها دولة جدية، واجهت غزواً من عراق الراحل صدام حسين مدعوماً بالمال العربي، وتدخُّلاً أميركياً كاد أن يتسبَّب بهزيمتها لولا القرار الشجاع لمؤسسها بتجرع السم الذي أوقف الحرب عام1988. ولا ينكرون أيضاً أنها بعد ذلك تعرّضت لعقوبات دولية وأميركية وأوروبية بسبب طموحاتها الاقليمية “التوسعية” التي أخافت جاراتها في الخليج، وتالياً بسبب نجاحها في ترجمتها واقعاً ملموساً وان غير نهائي في سوريا ولبنان و”فلسطين” والعراق، وتمسُّكها بتوسيعه في العالم العربي والاسلامي. ولا ينكرون ثالثاً أنها اعتمدت سياسة الاكتفاء الذاتي ونفّذت اعادة بناء في مجالات متنوعة، ولم تمدّ يدها الى الخارج ذي الشروط التعجيزية والأهداف “المشبوهة”. علماً أن ثروتها النفطية والغازية ومواردها الطبيعية ساعدتها في “الصمود” والاستمرار. أخيراً أن النظام الاسلامي في ايران حرم الفئات غير المسلمة من شعبها والفئات المسلمة غير الشيعية كما الليبراليين من المشاركة في الحياة السياسية الوطنية. لكنهم يؤكدون أنه نجح ولأسباب عدة في اقامة ديموقراطية جزئية لم يروا مثلها في دول المنطقة. وتمثّل ذلك ببروز ملامح واضحة لنظام الحزبين داخل ايران وان اقتصر على أبناء النظام الاسلامي.
لكن عدم الانكار المتنوع أعلاه لا يبرِّر كل المواقف التي يتخذها مسؤولون في ايران وعدد من حلفائها في المنطقة ولا سيما في لبنان حيث الحرية – الفوضى مطلقة. فالجميع يؤكدون أن الجمهورية الاسلامية انتصرت على أعدائها، والواقع يشير الى أنها حقّقت نصراً ولكن بمشاركة هؤلاء الأعداء وفي مقدمهم أميركا. والجميع يؤكدون أنها ستنطلق من “النصر الساحق” الى استكمال مشروعها الاقليمي الطموح بموافقتها الذي لا يقتصر على العراق وسوريا ولبنان و”فلسطين” الاسلاميين، بل يشمل مصر ودولاً عربية واسلامية عدة. وهذا التأكيد ليس في محله استناداً الى كل المعطيات المتوافرة اقليمياً ودولياً اذ فيه من المبالغة كمّ كبير. وقد يكون القصد من ذلك أولاً احتواء بعض الجهات الايرانية الرافضة التفاهم مع الغرب وشيطان العالم الأكبر أميركا سواء من منطلق ديني أو قومي أو مصلحي. وثانياً افهام الأميركيين وحلفائهم المعترضين على “الاتفاق النووي” الذي لا بد أن يلحقه بعد مدة قد تكون طويلة اتفاق على القضايا الاقليمية الخلافية، العاملين على احباطه ومنع تحوُّله قانوناً نافذاً، أنهم أقوياء وسيبقون كذلك سواء مرّ الاتفاق أو لم يمرّ. وهذا تكتيك ذكي مارس مثله المفاوضون الايرانيون وتوصلوا بواسطته الى نتائج مرضية. أما لماذا، ليس التأكيد في محله، فلأسباب عدة منها أن حاجة ايران الى “الاتفاق” النووي ولواحقه الاقليمية تساوي حاجة أميركا والمجتمع الدولي وحلفائهما في المنطقة اليه. فهو يساعد على مكافحة الارهاب “الداعشي” البالغ التشدُّد وأمثاله. ومنها أيضاً أن ايران ذهبت الى التفاوض قبل الموعد الذي كانت حدّدته له، والذي كان مرتبطاً بتحقيق انجاز نووي نهائي، لأن مشروعها الاقليمي تصدّع كثيراً في سوريا والعراق و”فلسطين” وربما في لبنان، وصار تنفيذه بالغ الصعوبة وربما مستحيلاً. ومنها ثالثاً الأذى الذي تسبّبت به العقوبات المتنوعة لاقتصادها. ومنها أخيراً أن ما تحلم به ايران من دور واسع في المنطقة يؤمِّنه لها “الاتفاق النووي” ولواحقه الاقليمية ليس سهل التحقيق وربما يكون مستحيلاً. فمسؤولوها يقولون إن هدفهم التعاون مع دول المنطقة العربية، كبيرة وصغيرة، لارساء الاستقرار والنهوض بها. لكن مسؤولي هذه الدول كما أميركا والمجتمع الدولي يعرفون أن التعاون وبسبب الاختلال في ميزان القوى يعني تولِّي ايران قيادة هذه الدول والسيطرة عليها. وهذا أمر لن يكون مقبولاً من أميركا والعالم لأنه يحوِّل ايران قطباً اقليمياً – دولياً كبيراً جداً، ولن يكون مقبولاً من العرب الغالبيتهم سنّة، ومن السنّة غير العرب في ظل الصراع المذهبي الذي غزا الشعوب الاسلامية كلها. وهذا دافع آخر لأميركا كي ترفض الزعامة الايرانية للمنطقة لأنها لا تستطيع أن “تضع في ظهرها” كما يقال مليار ومئتي مليون سنّي في العالم.
طبعاً لا يعني ذلك أن دور ايران الاقليمي لن يكون كبيراً وربما أكبر من دول اقليمية كانت كبرى دائماً. بل يعني أن أميركا ستحفظ أدوار الدول الأخرى، وستكون هي العرّاب الأساسي للنظام الاقليمي الجديد في المنطقة الذي يتفاهم مع كبارها على الأدوار كما يوزِّع على بعضهم الأدوار.

 

سركيس نعوم

النهار اللبنانية