المرصد السوري لحقوق الانسان

ابن سورية العظيمة .. هنيئاً لك

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

أن تقول “أنا سوري” يعني، ببساطة، أنك تعرّف على نفسك. وكل من يسمعك سيقول لك “أهلاً وسهلاً”، ولكن أن تضيف، على طريقة الفنان الراحل عبد الرحمن آل رشي، “آه يا نيالي”، فأنت تبالغ، أو تفخر، أو “تتفشخر” .. وقد ينبري لك مَن يقول إن الانتساب إلى سورية، الآن، أمرٌ مخجل، ويعرض أمامك الإحصائيات التي تثبت أن دولتك تتذيل سلم الترتيب في كل شيء، عدا الفساد والجريمة والتعاسة، فسورية تحتل في هذه الثلاثية المركز الأول.

ذات يوم؛ طرحت الفنانة الراحلة، مي سكاف، فكرة مهمة وموجعة، قالت إنها لا تريد أن يعيش ابنُها تحت حكم ابن بشار الأسد. وقالت، في مناسبة أخرى، سأظل أدافع عن ثورتي، وعن سوريتي، إنها سورية “العظيمة”، وليست سورية الأسد. هذا الكلام يتناقله، منذئذ، سوريون يشبهون مي سكاف في حبهم سورية حباً وطنياً خالصاً، وآخرون لا يحبون سورية إلا باعتبارها كرسيّ سلطة، يدعون الله أن ينزل عنه بشار الأسد ليجلسوا مكانه، وفريق ثالث يميل ما مال الهَوَا.

يعتقد كاتبُ هذه الأسطر أن مي سكاف ذكرت كلمة “عظيمة” في سياق الحماسة الثورية، والنكاية ببشار الأسد، وحسب؛ فلو سألها أحدٌ، في تلك اللحظة، عن مقوّمات عظمة سورية، لفوجئت، وتأخرت في الإجابة، وأصيبت بخيبة أمل كبيرة. .. لو أجرينا رحلة بحث عن عظمة سورية، ودخلنا في عمق خمسمئة سنة من تاريخها، لأصبنا بالإحباط الشديد، إذ إن البلاد التي نصطلح عليها اليوم باسم “سورية” أمضت أربعمئة سنة (الفترة العثمانية) في حالة سُبات، وثَبات، وقهقرى، ولم تكن تحمل اسم سورية أصلاً، فالأتراك أطلقوا عليها اسم “شام شريف”، وقسّموها إلى ولايات ومتصرفيات وملحقيات، هي أبعد ما تكون عن مفهوم الدولة بمعناها القديم أو الحديث.. وإذا اكتفينا باستعراض أحداث المئة سنة الأخيرة، لرأينا أن سورية لم تكن مكتملة الكيان والأركان والمقومات قط. ولعل أول شكل دولتيّ اتخذته كان يوم الثامن من مارس/ آذار 1920، حينما أعلنها الأمير فيصل بن الحسين مملكة، وأعلن نفسه ملكاً. لم يدم هذا الأمر إلا فترة قصيرة، إذ كان الإنكليز والفرنسيون قد رسموا لها، في 1916، مخططاً سرياً أعلنه الروس بعد نجاح الثورة البلشفية سنة 1917، وبدأوا بوضعه موضع التنفيذ اعتباراً من شهر يوليو/ تموز 1920، مع حملة الجنرال غورو، إذ أطاحوا حكم فيصل الذي استمر 22 شهراً، منذ أواخر سنة 1918.

كان فيصل، برأي كاتب هذه الأسطر، طيباً، ومحترماً، وذكياً، وذا نزوع ديمقراطي. ولكن السؤال هو: كيف قبل السوريون أن يكون أميرَهم أو ملكَهم رجل حجازي؟ ألا يوجد في سورية (العظيمة) نخبة سياسية سورية رفيعة الشأن، قادرة على إقامة نظام دولة من أي نوع يتوافقون عليه، ويكون حاكمهم، أو حكامهم من السوريين؟ سيزعج هذا الكلام إخوتنا السوريين ذوي التوجه العروبي، وسيقولون إن الحكم في هذه المنطقة كان عربياً، ناتجاً عن الثورة العربية التي قادها الشريف حسين. يا سيدي، ليس هذا الكلام دقيقاً، فالكلمة الأولى، في المرحلة التي تلت خروج العثمانيين مما تسمى سورية كانت للإنكليز، والشريف حسين عندما دخل الحرب إلى جانب الإنكليز قال، بحسب المؤرخ يوسف الحكيم، “إننا نحن آل البيت أحق بالخلافة من بني عثمان”. لم يقل “نحن العرب”، والعَلَم الذي اختاره فيصل لمملكته يتألف من اللون الأسود الذي يرمز إلى الخلفاء الراشدين والعباسيين، والأبيض للأمويين، والأخضر للفاطميين، والأحمر لثورة الحسين بن علي.

ملاحظة: هذه ليست المرّة الوحيدة في التاريخ الحديث التي يتنازل فيها السوريون عن حكم بلادهم للآخرين، وخذ مثلاً الوحدة الفاشلة مع مصر، وتسليم سورية (العظيمة) من بابها إلى محرابها لجمال عبد الناصر.

 

 

 

 

الكاتب: خطيب بدلة- المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول