المرصد السوري لحقوق الانسان

اجعلوا سوريا عظيمة مجدداً!

مع كثرة الحديث المستحق عن تردي الأحوال السياسية والاقتصادية في سوريا، والتي تعود أسبابها بشكل أساسي إلى 4 عقود من استبداد نظام الأسد ضد شعبه، فإذا كان من المهم التذكير بمآسي الحاضر البائس، فإنه من الضروري جداً إعادة تذكر الماضي السوري للمقارنة، وذلك لإدراك فداحة التحول والانهيار الذي أصاب هذا البلد العربي الكبير والمهم.
في سنة 1954 فوجئ أعضاء البرلمان السوري بجلوس رئيس البرلمان، ابن حلب، الطبيب الدكتور ناظم القدسي، على مقاعد البرلمان وسط سائر النواب، وليس على سدة البرلمان كالمعتاد. وقبل أن يفاتحوه بالسؤال عن سبب ما قام به، فتح محفظته وأخرج منها نسخة من صحيفة «الرأي العام» واستدار نحو النواب، وقال، أيها السادة الزملاء، لقد وجّهت لي هذه الصحيفة تهمة، مفادها أنني أمرت بفتح شارع يمر بمحاذاة قطعة أرض أملكها، وذلك بهدف رفع سعرها في السوق. وأنا من موقعي هنا، وفي هذه اللحظة أضع نفسي أمامكم في موقع المتهم، وأطالب فوراً بتشكيل لجنة برلمانية، ترافقها لجنة فنية مختصة، للمثول على أرض الموقع المعني، وتعاين على الطبيعة صحة الادعاء الموجّه بحقي. فإن ثبت صحة التهمة بحقي، أطلب منكم رفع الحصانة عني وتقديمي للمحاكمة فوراً. وبالفعل تم تشكيل اللجنة المقترحة، وعاينت الموقع المعني وعادت بتقرير يثبت بطلان الادعاء تماماً. فوقف الرئيس القدسي أمام البرلمان بعد ذلك، وقال: «إنني أسقط حقي في إقامة دعوى قضائية بحق الصحافي القدير الأستاذ أحمد عسة، رئيس تحرير جريدة (الرأي العام) احتراماً مني لحرية الصحافة وتقديراً لإتمامه بالمصلحة العامة».

وناظم القدسي، الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للجمهورية العربية السورية، له قصة أخرى مشهورة عندما شوهد يسير في الشارع وحده، وركض خلفه سائق سيارته وطاقم حراسته، ورفض أن يصاحبوه بقوله، إن هذا موعد طبيب أسنانه، وهو موعد خاص لن يحمل الدولة نفقاته! هذه قصة من ماضٍ سوري قريب، قبل حقبة الأسد المدمرة، التي جعلت مجلس الشعب مسخة، وسيطر فيها على موارد الدولة، وحوّل الدستور إلى مادة لا قيمة لها، يتم تعديلها في ربع ساعة، لتفصل على قياس الابن، ليرث أباه في جمهورية تحولت مع الأسد إلى مزرعة. نظام قضى فيه تماماً على حرية الصحافة، التي كانت موجودة، وفيها قمم وأعلام، مثل صحف «الأيام» و«الأخبار» و«الرأي العام»، لتحل مكانها صحف لا تليق حتى بمسح زجاج النوافذ أو لفّ سندوتشات الفلافل.
لم يكتفِ نظام الأسد بالقضاء على الحياة السياسية الديمقراطية، بشقيها الرئاسي والبرلماني، والإعلام الحر، ولكنه دمر الاقتصاد السوري الذي عرف بالإبداع والجرأة والمقدامية، بل كان التاجر الشامي والحلبي هو الذي يقدم على الهجرة إلى أصقاع العالم لتوسعة نشاطه وصناعته وتجارته، وكم من شركة وبنك رائد في العالم العربي تأسس على أيدي رجال أعمال سوريين. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بالشركة الخماسية التي أسستها مجموعة بارزة من رجال الأعمال في سوريا، وكانت وقتها من أبرز الشركات في العالم العربي في خططها وأهدافها وأسلوب عملها، ولكن هي أيضاً سقطت نتاج التخبط الاقتصادي الذي حلّ بسوريا، بدءاً بالتأميم، وصولاً إلى هيمنة رامي مخلوف (ابن خال الرئيس بشار الأسد) على جميع مقاطع الاقتصاد السوري بكل قطاعاته.
لقد روّج البعض لنظام الأسد على أنه حامي الأقليات، لتُظهر الأيام أنه حامي أقلية واحدة، بل عائلة واحدة ضمن هذه الأقلية، وأنه حوّل سوريا من دولة مدنية إلى دولة ذات مشروع طائفي بامتياز، في فلك الولي الفقيه، بحماية البندقية المستأجرة حسن نصر الله.
«قانون قيصر» هو بارقة أمل طال انتظارها طويلاً للخلاص من كابوس أسود. سوريا تستحق شعار «اجعلوا سوريا عظيمة مجدداً».

 

 

الكاتب:حسين شبكشي – المصدر:الشرق الاوسط

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول