استعادة فرنسا بعض مواطنيها من “الـ ـتـ ـنـ ـظـ ـيـ ـم” تعيد الحديث عن أهمية إنشاء محكمة دولية لمقاضاة عناصره

إيجاد حل للمخيمات والسجون التي يقبع بها أفراد "التنظيم" يستدعي آلية من مجلس الأمن

برغم مساعي بعض الدول عبر تصريحات مسؤوليها لغلق ملف الإرهابيين الموجودين بالمخيمات في سورية على غرار مخيم الهول أو سجون الإدارة الذاتية وغيرها، إلا أن تلك المساعي ظلّت ضعيفة لا ترتقي إلى مرحلة إنهاء الملف وغلقه، برغم تحذيرات المنظمات الحقوقية من تواصل وجود هذه القنابل الموقوتة في سورية على الأمن القومي الإقليمي والدولي، وسط دعوات إلى تحكيم الجانب الإنساني في معاملة الأطفال الذين يعتبرون ضحايا زُجّ بهم في المحرقة.

وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد قضت في سبتمبر الماضي بأنّه يجب على فرنسا إعادة النظر في طلبات الإعادة المقدمة من فرنسيتين اثنتين من النساء اللواتي سافرن إلى سورية مع شركائهن للانضمام إلى التنظيم الإرهابي، وتضمنت تلك الطلبات إعادة الأطفال الذين أنجبتهم النساء هناك.

وظلت باريس مترددة في البداية في إعادة الأشخاص الذين تعتبرهم إرهابيين إلى الأراضي الفرنسية، إلى أن قررت إعادة (15) امرأة و(32) طفلا كانوا معتقلين في مخيمات في شمال شرقي سورية ، وفق ما أفادت، الخارجية الفرنسية، في خطوة قد تشجع باقي دول العالم على استعادة مواطنيها من الأطفال والنساء وإعادة تأهيلهم أو محاكمة النساء محاكمة عادلة. 

وأعيد الحديث عن أهمية إنشاء محكمة دولية لمحاكمة “الدواعش” لتكون هناك مساءلة ووضع حد للإفلات من العقاب على انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

ولطالما دعا المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أهمية التسريع  بإنشاء محكمة دولية خاصة في شمال وشرق سورية، كحلّ لأزمة المقاتلين “الدواعش” المحتجزين في تلك المنطقة، علما أنّ هؤلاء الإرهابيين يعدون قنبلة موقوتة لا تهدد سورية وحدها ولكن تهدد العالم.

ويرى المحلل السياسي الأردني صلاح ملكاوي، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ استعادة أطفال التنظيمات الإرهابية من السجون والمخيمات على غرار مخيم الهول، في شمال وشرق سورية، بات أمرا ضروريا، لافتا إلى أنّ الحديث اليوم يتعلق بمواطنين وعائلات من ستين دولة لديهم أطفال قُصّر حيث  يفوق عددهم العشرين ألف طفل في ظروف إنسانية سيّئة دون خدمات أساسية ودون حقوق مع مستقبل غامض، ونحن نتكلم عن أطفال ضحايا يتعايشون وسط ظروف خطيرة وجرائم تلاحقهم وتدريب على القتال والعنف، هذا مع وفاة عشرات الأطفال سنويا في تلك المخيمات أو المعتقلات جراء القتل والجوع دون متابعة دولية  ودون فتح أيّ تحقيق للوقوف على حقيقة الوضع.. هناك دول حرصت على استعادة أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وأيضا مقاتلين مثل كازاخستان وأوزبكستان، وأخرى استعادت أعدادا بسيطة كفرنسا  التي أعادت العشرات في سبتمبر الماضي بعد ضغوطات كبيرة من الصليب الأحمر  ومنظمات حقوقية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فيما قامت دول أخرى بتجريدهم من جنسياتهم والتبرؤ منهم ووصفتهم بالإرهابيين بسبب جرائم لم يرتكبها الأطفال بل ارتكبها آباؤهم المتطرفون، ويُنظر إليهم كقنابل موقوتة بسبب التعاطي مع هذه القضية بطريقة أمنية دون وجه إنساني، هم بالنسبة لهم يشكلون خطرا  وقد يكونون مستقبلا مشاريع متطرفين جدد نتيجة الفكر الظلامي الذي قد يكون مُرّر لهم”.

ودعا إلى إيجاد حل جذري لهؤلاء والاهتمام بملف حلحلة الأزمة السورية وعدم أخذ حالة عدم الاستقرار وكأنها دائمة.

من جانبه، أفاد الناطق الرسمي باسم لواء الشمال الديمقراطي، اللواء محمود حبيب، في حديث مع المرصد السوري، بأن هذه الإشكالية المعقدة لها عدّة أسباب، منها أن معظم هؤلاء مصنفون في دولهم كإرهابيين ولا تقبل تلك الدول بعودتهم، وبعضها أسقط عنهم الجنسية وتسعى هذه الدول إلى التنصل من مسؤوليتها.

وأشار محدثنا إلى أنّه لا يوجد أيّ  قرار أممي صادر عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة بإلزام تلك الدول باستعادة رعاياها، فضلا عن عجز المجتمع الدولي عن إنشاء محكمة دولية تستطيع إنفاذ القانون الجزائي الدولي أو تشكيل محكمة خاصة تنظر في قضية معتقلي “داعش” في سورية خصوصا أنهم ينتمون إلى أكثر من ثمانين دولة 

وأردف : “كل هذه الأسباب وغيرها ساهمت في إبقاء الوضع على ما هو عليه ولا زلنا في حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها ما يتسبب في مزيد تفاقم الأزمة على الأرض السورية”.

وقال المسؤول العسكري بـ”قسد”: لم تكن المساعي الدولية جادة في إيجاد حلول مستدامة للأزمة السورية، وإن كانت هناك نوايا طيبة لدى بعض الدول في إنهاء هذا الملف، لكن حقيقة الأمر أن التدخل الإقليمي والدولي في الشأن السوري عطل الكثير من الحلول وخصوصا بعد الحرب الأوكرانية حيث انقسم مجلس الأمن على نفسه وأخذ الصراع المسلح بين الكبار ينعكس بشكل سلبي على إخراج حل يحظى بإجماع أو توافق، بل على العكس أصبح الملف السوري ميدانا آخر للصراع السياسي وبسط النفوذ، لذلك نجد اختلافا كبيرا بين ما تصرح به الحكومات من ضرورة إنهاء ملف معتقلي تنظيم “داعش” وبين القدرة على تطبيق شيء من هذا القبيل على الأرض.

وختم بالقول: نجد بعض الدول تستعيد بعض النساء والأطفال ولكن بشكل خجول لا يساعد على إنهاء الأزمة، وحتى  في حال الوصول إلى حل ستبقى قوات سورية الديمقراطية والأجهزة الأمنية في شرق الفرات تتحمل عبئ هذه المعضلة التي قد تنفجر في أي وقت خصوصا مع تصاعد التهديدات التركية باجتياح بري لشرق الفرات الأمر الذي ينعش آمال “داعش” بالعودة من جديد.

من جانبه، علق وزير الإعلام الأسبق حبيب حداد، في حديث مع المرصد السوري، قائلا: إن ما تمثّله “داعش” و”القاعدة” والمنظمات الإرهابية الأخرى هو خطر لا يستهدف دولة واحدة أو إقليما معينًا ، سواء من حيث مصادر عناصر تلك المجموعات أو أماكن وجودها الحالية. 

واستطرد قائلا: إن الحل المطلوب لهذه الظاهرة ، من وجهة نظري ، يستدعي العودة إلى دراسة هذه المعضلة من قبل مجلس الأمن الدولي وتعيين أسبابها المباشرة وغير المباشرة، وفي ضوء ذلك اتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة، وفي هذا الإطار طبعًا تأتي معالجة وجود عشرات الآلاف من السجناء الدواعش وغير الدواعش في سورية وغيرها، وكذلك مسؤوليات الدول التي صدّرتهم وتلك التي سهلت قدومهم أو كانت ممر عبور لهم.