اقتراب نهاية “داعش” شرقي سورية: نصر عسكري بتكلفة إنسانية مرتفعة

32
بات من المتوقع أن يعلن “التحالف الدولي” خلوّ منطقة شرقي الفرات من أي وجود منظّم لتنظيم “داعش” الذي انهارت دفاعاته، خلال اليومين الأخيرين، في معاقله في شرقي سورية، تحت ضربات التحالف وذراعه البرية “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، التي خرجت منتصرة من مواجهة طويلة مع التنظيم بدأت في عام 2015، وقتل وشُرد خلالها عشرات آلاف المدنيين. وبذلك، يخرج الشرق السوري من صراع مرير بدأ في عام 2014 مع تمدّد تنظيم “داعش” الدراماتيكي في الجغرافيا السورية، منهكاً خالياً من أغلب سكانه، فيما يتنافس المتصارعون على سورية عليه، كونه يضم ثروة نفطية هائلة، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي.

وباتت “قسد” على وشك سحق فلول مسلحي “داعش” في ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات، حيث انحصر وجود التنظيم في قريتي المراشدة والسفافنة، وفق شبكة “فرات بوست” الإعلامية المحلية، عقب سيطرة عناصر “قسد”، الأربعاء، على بلدة الباغوز فوقاني. وأشارت الشبكة نفسها إلى استسلام أكثر من 150 عنصراً وقيادياً من تنظيم “داعش” في ريف دير الزور الشرقي، لـ”قوات سورية الديمقراطية”، التي قام عناصرها بسرقة (تعفيش) ممتلكات المدنيين في البلدة، وفق ناشطين بثوا مقاطع تؤكد ذلك.

بدوره، أشار “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، أمس الخميس، إلى أنّ “قوات سورية الديمقراطية” تواصل عملياتها للسيطرة على ما تبقى لتنظيم “داعش” في ريف دير الزور الشرقي، موضحاً أنّ الألغام تعيق عملية التقدّم. وأكد “المرصد” رفض من تبقّى من مسلحي التنظيم، الاستسلام، واختيارهم القتال حتى النهاية، مشيراً إلى أنّ الاشتباكات تتركّز في محيط وأطراف بلدة الباغوز فوقاني، وفي محيط ما تبقّى من مزارع وتجمعات سكنية عند الضفة الشرقية لنهر الفرات.

وأشار “المرصد” إلى أنّ فلول مسلحي التنظيم يحاولون فتح ممر آمن لهم نحو منطقة أخرى من الأراضي السورية أو العراقية. ونقل عن “مصادر موثوقة” تأكيدها استيلاء “قسد” على عشرات الآليات والعربات من المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم، مشيرةً إلى دخول رتلين لقوات تابعة للتحالف الدولي إلى منطقة خط الجبهة، ضمّ الرتل الأول 7 عربات “هامر”، فيما ضمّ الرتل الثاني 6 عربات. ورجّح “المرصد” أن يكون الرتلان تابعين للقوات البريطانية الموجودة على الأراضي السورية.

إلى ذلك، أكّد “المرصد” مقتل 1179 من مقاتلي وقادة تنظيم “داعش” في القصف والاشتباكات والتفجيرات والغارات، في حين ارتفع إلى 637 عدد قتلى “قوات سورية الديمقراطية”، منذ العاشر من سبتمبر/أيلول الفائت. ووثق “المرصد السوري” مقتل 388 مدنياً، بينهم أطفال ونساء، في ريف دير الزور الشرقي، نتيجة المعارك، من ضمنهم 226 سورياً، مؤكداً أنّ تنظيم “داعش” أعدم أكثر من 713 معتقلاً لديه خلال الفترة نفسها.

وكانت “قسد” بدأت بدعم من “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، عملية عسكرية في العاشر من سبتمبر الفائت، لاجتثاث التنظيم في ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات، تخللها العديد من المجازر التي وُصفت بـ”المروعة” بحق المدنيين، والتي ارتكبها طيران التحالف.

وكعادته، دافع تنظيم “داعش” عن معاقله الأخيرة في شرقي سورية حتى الرمق الأخير، ولكن النتيجة كانت مقتل وتشريد عشرات آلاف المدنيين، وتدمير المدن والبلدات والقرى التي كان يسيطر عليها، بالقصف الجوي والمدفعي من قبل “التحالف الدولي” وقوات “قسد”.

وكان “داعش” وضع يده بشكل كامل على ريف دير الزور الشرقي، في منتصف عام 2014، في ذروة تمدده في الجغرافيا السورية التي سيطر في عام 2015 على أكثر من نصفها، قبل أن يبدأ رحلة تراجع كبير، حتى انحصر وجوده في نطاق ضيق شرقي دير الزور، وفي مناطق داخل البادية السورية مترامية الأطراف. وكان ريف دير الزور الشرقي من أكثر المناطق أهمية للتنظيم، كونه يضم ثروة نفطية هائلة كانت معيناً له للاستمرار طيلة السنوات الفائتة، حيث وضع يده على كبريات آبار النفط والغاز، ومنها حقل “العمر” الشهير الذي بات اليوم تحت سيطرة “قوات سورية الديمقراطية”. وخرجت الأخيرة منتصرة من مواجهة مع “داعش” بدأت في عام 2015، قضت خلالها على التنظيم في أهم مواقعه، خصوصاً في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور التي تشكل ما بات يُعرف إعلامياً بـ”منطقة شرقي الفرات”، والتي تبلغ مساحتها نحو ثلث مساحة سورية. ويخرج ريف دير الزور الشرقي اليوم من مواجهة استمرت أكثر من 4 أشهر، منهكاً خالياً تقريباً من السكان، حيث نزح من بقي من الأهالي إلى مخيمات تديرها “قسد”، ويؤكد ناشطون أن الحالة الإنسانية فيها تكاد تصل حدود الكارثة.

وتوشك منطقة شرقي نهر الفرات أن تصبح خالية تماماً من أي وجود منظم وواضح لتنظيم “داعش” الذي لم يعد يملك أرضاً بعينها يحكمها، وإنما يعتمد استراتيجية “الذئاب المنفردة” للقيام بعمليات متفرقة بين حين وآخر ضدّ “قوات سورية الديمقراطية” والتحالف الدولي. ويعتمد التنظيم الأسلوب نفسه في البادية السورية، حيث لا يزال يملك “خلايا نائمة” تنشط بين وقت وآخر ضدّ قوات النظام، خصوصاً في محيط مدينة تدمر، أكبر وأهم مدن البادية السورية التي تبلغ مساحتها نحو 80 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريباً نحو نصف مساحة سورية.

وكاد “داعش” في عام 2014 أن يغيّر خارطة الشرق الأوسط، حيث توغّل في سورية والعراق حتى سيطر على مدن كبرى، وهدّد بغداد شرقاً وحمص في وسط سورية غرباً، بل كان له وجود نشط داخل العاصمة السورية دمشق في أحيائها الجنوبية. كما كان للتنظيم وجود عند المثلث الحدودي بين سورية والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي. وفي منطقة شرقي الفرات السورية، وصل مسلحو التنظيم إلى تخوم مدينة الحسكة، وسيطروا على مساحات هائلة من ريفها، خصوصاً الجنوبي، وسيطروا على كامل محافظة الرقة، وأغلب محافظة دير الزور، باستثناء المطار وأحياء قريبة منه، وعلى البادية، مهددين مدينتي حماة وحمص، وعلى جانب كبير من ريفي حلب الشمالي والشرقي، حتى بات القوة العسكرية الثانية في سورية بعد قوات النظام.

ولكن التنظيم بدأ رحلة تراجع في أواخر عام 2015، أمام “قوات سورية الديمقراطية”، التي بدأت حملتها ضده بدءاً من الحسكة، ومن ثم الرقة وانتهاءً بدير الزور، في الوقت الذي كان فيه الجيش التركي، وفصائل المعارضة السورية، تسحق التنظيم في ريف حلب، بدءاً من منتصف عام 2016، حيث سيطرت على مدى أشهر على معاقله البارزة، ومنها مدينتا جرابلس والباب.

المصدر: العربي الجديد