المرصد السوري لحقوق الانسان

الأديبة السورية أنجيل الشاعر: النظام “الجديد” يولد من رحم الفوضى.. والمرأة السورية خاضت حرباً على نفسها لتنفلت من عقال التبعية

عادة ما تُخلّفُ الحروب مآسي إنسانية كبرى وخسائر مادية وبشرية من جانب، إلا أنها قد تساهم من جانب آخر في غرس روح متجددة داخل المثقف والأديب والشاعر، روح تبحث عن الانعتاق والحرية، هي روح الإبداع، فمن الحروب الأهلية الأمريكية والروسية والإسبانية، مروراً بالحروب التي شهدتها دول العالم الثالث في عصر التحرر الوطني، مثل الثورة الصينية، وصولاً لبعض الحروب العربية، وعلى رأسها الحرب السورية، كان لمثقفي وأيديولوجي الحرب، دور كبير في صياغة خطاب ثقافي وفكري، لعب دوراً عضوياً في تطوير الإطار الثقافي عموماً، وصيغت كثير من الأعمال الأدبية والفنية، ضمن سياقات الحروب، للتعبير عن الموقف الأيديولوجي والسياسي للسوريين.

الأديبة السورية أنجيل الشاعر تتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان عن سورية كما تراها، وعن ثمن الحرّية، وعن دور المرأة السورية لإيصال رسالة السلام.

1ـــ كيف يمكن أن تتمخّض الفوضى في سورية عن نظام جديد، وهل هذا ممكن مع كثرة التدخلات الأجنبية؟

ج- سورية، حتى اليوم، في حالة من الفوضى العارمة ومع ذلك، يجمع الكتاب والكاتبات على أن النظام الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي في سورية لن يكون، بعد انتهاء الأزمة، كما كان قبل نشوبها، وهذا دليل كاف على أن النظام “الجديد” يولد من رحم الفوضى، تتحكم في ولادته جملة من الشروط قد نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر، النظام الجديد، الذي يولد من رحم الفوضى قد يكون أفضل من النظام القديم وقد يكون أسوأ منه، ولكنه لن يكون نظاماً حديثاً بالضرورة، الجديد شيء والحديث شيء آخر، أما التدخلات الأجنبية فهي جزء من الواقع السوري المعقد، وتزيده تعقيداً، بحيث لا يمكن التنبؤ بماهية النظام الجديد. ولكنها، أي التدخلات الأجنبية، ستساهم في تشكيل النظام الجديد، هكذا تجري الأمور.

س- قلتِ في مقالاتك الصحفية، أن توازن القوى على الصعيدين المحلي والإقليمي، وميزان القوى الدولي يرسخان الفوضى ويطيلان عمر الصراع السوري، كيف ذلك؟

ج-لأن الدول التي تتدخل في الشأن السوري لن تسعى إلى حل المسألة السورية قبل تحقيق مصالحها الذاتية، أو بمعزل عن هذه المصالح يمكن القول إن الجغرافيا السورية باتت مسرحاً لصراع دولي وإقليمي على مغانم اقتصادية وسياسية، في سورية وفي غيرها، وإن بعض الجماعات السورية باتت أدوات لهذا الصراع، لذلك سيكون ميزان القوى حاسماُ في تحديد معالم المستقبل القريب، حتى يتمكن الشعب السوري من تقرير مصيره بنفسه.

س- من يخاف الحرية بصفة عامة؟

ج- جميع البنى الاجتماعية والسياسية، (العشائرية والإثنية والمذهبية والحزبية..)، التي تفرض على أفرادها أفكاراً معينة (قومية أو اشتراكية أو إسلامية، على سبيل المثال) وقيماً معينة، وأنماط سلوك معينة وأزياء معينة أيضاً، وتتحكّم في حياتهم بحيث لا يخرج شيء من دوائر سلطتها المادية والمعنوية، هي التي تخاف من الحرية. وبكلمة، المجتمعات الذكورية المشحونة بالتخلف حتى النخاع حسب “جورج طرابيشي” هي التي تخاف من الحرية، ففي المجتمعات التي لا يتساوى فيها الذكور والإناث في الحقوق المدنية والسياسية، تخاف من الحرية، المجتمعات التي تستمد قوانينها من الدين تخاف من الحرية، المجتمعات الخاضعة للاستبداد السياسي تخاف من الحرية، جميعها مجتمعات عرجاء، لا يمكن أن تكون مجتمعات حرة.
– وحسب رأي ” ماركس” إذا أردت أن تعرف المجتمع عليك أن تنظر إلى وضع المرأة فيه، فالسلطة الأبوية لا تزال قائمة على المرأة في مجتمعاتنا، حتى الخطاب السياسي والديني والثقافي موجّه إلى الذكر، أختم بقول لــ “حنا مينا” أنا مع تحرّر المرأة بشرط أن لا تكون أمي أو زوجتي أو ابنتي، وهذا ينطبق على معظم النخب الثقافية في مجتمعاتنا.

س- كيف تقيّمين الحركة الثقافية والنقدية السورية في ظلّ الحرب؟

ج-من الضروري أن نؤسس حكمنا على واقع الحركة الثقافية والنقدية ومستقبلها على ثنائية الفوضى والنظام. فإن واقع الحياة الثقافية في سوريا اليوم محكوم بالفوضى، التي أشرنا إليها، فقد تسربت الفوضى إلى البنى الثقافية والمعرفية والجمالية والمعايير النقدية، فتضعضعت البنى التقليدية واضطربت القيم والمعايير التقليدية، بما فيها تلك التي كانت تدعي الحداثة والتجديد؛ وآذنت الفوضى بولادة نماذج معرفية جديدة وأنماط أدبية وفنية جديدة، متحررة من القيود الأيديولوجية، والأحكام القطعية والقوالب الجامدة، وكان للشبكة العنكبوتية والمواقع والصحف والإلكترونية والنشر الإلكتروني أيضاً، والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي أثر واضح وحاسم في تحرر الأذهان من القيود والسلطات الرقابية والعقابية، ولعل الثقافة السورية تعيش بالفعل مرحلة إنتقالية، لم تتبلور بعد ملامحها الجديدة والحديثة. وعلينا ألا ننسى الاتجاهات النكوصية والسلفية والأصولية، التي أنتجت الإرهاب وتعمل على إعادة إنتاجه.

س- كيف ترين مساهمة المرأة السورية في النهضة الثقافية العربية، والفكرية خصوصاً؟ وما المطلوب من المرأة السورية وسط ما يحدث؟

ج-عملت المرأة السورية ولا زالت تعمل على تحقيق ذاتها كائناً إنسانيّاً وذاتاً حرة مستقلة وكيان حر ومستقل، فخاضت في خضم الأحداث الجارية حرباً على نفسها أولاً لتنفلت من عقال التبعية، وعلى المجتمع ثانياً لتغيير النظرة النمطية لها “كأم وزوجة وأخت وابنة”. فرأينا المرأة السورية تنطلق في مجالات عديدة من مجالات الحياة، كتواجدها في سوق العمل على سبيل المثال، ووجودها في الساحة الثقافية والفنية، ومن خلال تواجدها الدائم في المنظمات المدنية التي تعمل على نشر الثقافة والوعي بين أفراد المجتمع “إناثاً وذكوراً”، اعتبرها رائدة في هذا المجال، فقد أخذ التفكير النمطي يتراجع ولو ببطء داخل المرأة نفسها، لأن بعض النساء كنَّمتماهيات مع هذا التفكير وراضيات به، نراهنَّ تعملن على التحرير من ذلك الموروث، وعلى الرغم من كل تلك التحديات، فقد أنشأت المرأة السورية العديد من المنتديات الثقافية، أقامت الندوات والمحاضرات التوعوية بحق المرأة، كما نرى العديد من الأديبات والفنانات وسط هذا الظلام الذي يخيم على الإنسان السوري. ومن التحديات التي تواجهها المرأة في سوريا؛ القانون المجحف في حقها، وعلى وجه الخصوص قانون الأحوال الشخصية. فالنسوية السورية عملت على تغيير أحد القوانين الخاصة بجرائم الشرف، والمطلوب من المرأة السورية اليوم، أن تكثف الجهود للحصول على حقوقها المدنية والسياسية أسوة بالرجل.

س- كيف ترين سورية مستقبلاً؟ بأي شكل وبأي لون؟

ج-من المأثور الشعبي عندنا أن “الفلاح والمنجم لا يجتمعان”، وهنا أقول المثقف/ـة والمنجم/ـة لا يجتمعان. وإذا كان صحيحاً أن المستقبل هو ممكنات الحاضر، فإن معظم ممكنات الحاضر يصعب التكهن بها، على الرغم من قيام علوم المستقبليات أو علم الاستشراف، وهو علم إحصائي لا يقرر نتائج يقينية ونهائية، ولذك لا أعرف كيف ستكون سورية المستقبل على وجه الدقة، لكنني أتمنى أن تكون سورية واحدة موحدة لكل السوريين، دولة مواطنة متساوية، بغض النظر عن محمولات مواطنيها ومواطناتها، القومية والسياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، وأن تكون دولة حق وقانون، بألوان متعددة لنسيج واحد هو الشعب السوري.

س- هاشتاغ إجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مفاده، أوقفوا الإنجاب في سورية حتى تنتهي الحرب، هل تتبنين هذا التوجه وهذه الفكرة؟ ألا ترين أنه فرض لحرمان نساء كثيرات من حقهن الطبيعي في الأمومة؟

ج- هذا التوجه سيف ذو حدين، وأنا شخصياً لا أتبناه، ولم أنتقده، لسببين:
السبب الأول: أنا مع هذا التوجّه من الناحية الإنسانية، وذلك لضبابية مستقبل المواطنين والمواطنات في سورية، فكيف مستقبل ومصير الأطفال؟ الجزء الأكبر من أطفال الحرب يعانون من التشتت والضياع والتشرد، محرومون من التعليم والصحة، ناهيك عن الحالة النفسية المحطمة مما شاهدوه من قتل ودمار وتهجير ونزوح، أما أطفال المخيمات فحدثي ولا حرج، إذاً نحن أمام كارثة إنسانية وعلينا تفاديها بكل قوتنا، إذا كانت منظمة حقوق الطفل “اليونسيف” غير معنية بأطفال الحروب والنزاعات فعلى الآباء والأمهات أن لا يعرضوا أطفالاً جددا للتشرد والضياع، أما السبب الثاني فأنا ضد هذا التوجه من الناحية الحقوقية، فهو ليس حرمانا للمرأة من حقها الطبيعي في الأمومة وحسب، إنما حرمان للرجل من الأبوة وتشكيل أسرة طبيعية، وهي تعدٍ واضح على حقوق الإنسان، وبما أن الإنسانية لا تتجزأ، فمن حق الأبوين أن ينجبا، لكن بظروف مواتية لحقوق الطفل أيضاً، الموقف من هذا الاتجاه أو هذه الفكرة صعبٌ للغاية ومربك، لذلك كان هذا الاتجاه كالسيف ذي حدين.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول