الأزمة السورية…حلول على رمال متحركة وآمال بغدٍ مشرق

الأزمة السورية وبعد تدويلها بات حتمية حلها مرهون بالتوافقات الدولية والإقليمية، تلك التوافقات التي تعتريها مراحل من الجذب والنبذ، ووفقاً لذلك تتغير خرائط السيطرة والمفاهيم والنعوت مع تلاقي المصالح وتباعدها. في ظل المستجدات والتطورات التي تشهدها الساحة الدولية والإقليمية وتداعياتها بشكل مباشر على مجريات الأزمة السورية والتوازنات فيما بين القوى والدول الفاعلة فيها.

بالرغم من إجماع المجتمع الدولي على صياغة بعضاً من القرارات الخاصة بالأزمة السورية والإقرار بها على أنها باتت من الثوابت والمبادئ تندرج تحتها جميع المساعي والإجراءات للحيلولة من تنفيذها إلى وقائع ملموس.

ولكن وفق المعطيات الواقعية، الممارسات متناقضة كلياً مع تلك القرارات شكلاً ومضموناً، غالباً ما يلجأ فاعليها إلى التأكيد في جميع خطبهم الغوغائية وتصريحاتهم على أن كل ما يقومون به إنما هو تمثيل وتجسيد لتلك القرارات الأممية في مسعى منهم لإيهام الرأي العام العالمي ومستغلين الصمت الدولي والمزيد من الوقت لتمرير أجنداتهم وفرضها كأمر واقع.

الجميع يدعي حتمية ضرورة الامتثال للقرارات الدولية على أنها الملاذ والمخرج من دهاليز الأزمة وفك شيفراتها وتفكيكها والعمل بما يلبي ويخدم تطلعات الشعب السوري، لكن الأفعال في الواقع مناقضة للأقوال.

الأزمة الأوكرانية كانت كفيلة بتوفير غطاء لبعض القوى الفاعلة بالتنصل من تلك القرارات للعمل على فرض وقائع جديدة عبر مقايضات وتنازلات كان ضحيته الأولى والأخير هي القضية السورية وتطلعات الشعب السوري.

ما تشهده مناطق الاحتلال التركي من تسليم لبعض المناطق لجبهة النصرة المدرجة على قوائم الإرهاب، والتقارير الإعلامية التي تكشف عن مساعي تركيا لدمج الفصائل لتشكيل جسم جديد بمسمى مختلف تحسباً وتنصلاً من أية استحقاقات ومسؤوليات قانونية وحقوقية مستقبلاً.

تطورات جاءت بالتزامن مع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية اللبنانية ما بين (حزب الله) وإسرائيل، وانتخاب رئيس للجمهورية والحكومة العراقية بعد أشهر من صدور نتائج الانتخابات والصراع على الكراسي تكللت بمباركة إيرانية وأمريكية وغربية وامتعاض من الجبهة السنية.

السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي يحدث من تطورات ومستجدات توازن ما بين محوري السنة والشيعة؟ وأين هي تطلعات الشعب السوري؟

وفق التطورات الدراماتيكية المتسارعة والمتزامنة يتضح لنا وبشكل خاص ما يجري في سوريا هو تجسيد فعلي لمخرجات سوتشي أستانا.

وكما يتضح لنا مضي روسيا قدماً بمساعيها في إضفاء المزيد من الشرعية على سلطة دمشق في أحد جوانبها من خلال العودة القسرية للاجئين للتسويق على أن سوريا تنعم بالأمن والأمان والاستقرار تحت مسمى العودة الطوعية. حيث شهد وصول دفعات من اللاجئين إلى سوريا من تركيا ولبنان عبر إجبارهم من قبل سلطتي بيروت وأنقرة في ظل تأكيد الأمم المتحدة وجميع التقارير الصادرة من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية بأن سوريا غير آمنة للعودة، وأن خطر الإرهاب في تنامي بالإضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية واستمرارية القبضة الأمنية للسلطة الحاكمة في مقارباتها من الأزمة.

إلى جانب الدور الروسي في إجراء مصالحات بين سلطتي دمشق وأنقرة بالرغم من العوائق والتحديات الكثيرة التي تشير إلى عدم الوصول إلى نتيجة مأمولة، كانت أولى ثمارها تسليم المناطق لجبهة النصرة الإرهابية فرع القاعدة، وتبرير ما يحدث من تغييرات في خرائط سيطرة الفصائل والتنظيمات الإسلاموية الإرهابية التابعة لتركيا، هو أن ذلك يصب في مصلحة الثورة السورية وتطلعات الشعب. وأن تلك الشائعات كانت تصدر عبر أبواق تركيا الإعلامية مع حملات التلميع من قبل قيادات الائتلاف وما تسمى بحكومة الإنقاذ الوطنية.

يبدو أن حكومة العدالة والتنمية التي تعاني من أزمات داخلية متفاقمة وحاجتها الملحة لتصدير أزماتها إلى الخارج، ماضية في لعب سياساتها البرغماتية عبر اللعب على وتر المتناقضات بين الفواعل الأساسيين في الأزمة السورية، مستغلة دورها الوظيفي عبر الدفع برئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون قبيل سفره إلى تركيا للقاء رئيس البلاد رجب طيب أردوغان. للتصديق على عضوية السويد وفنلندا في الناتو، وهو ما تعهدت به تركيا، وتتوقع إلتزاماً أوضح من السويد لمحاربة الإرهاب.

بالإعلان بأن سويد ستنأى بنفسها عن منظمتين كرديتين، حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب.

قوات سوريا الديمقراطية عمادها وحدات حماية الشعب والمرأة التي حاربت الإرهاب ومازالت وعلى أساسها تأسست شراكة حقيقة بينها وبين التحالف الدولي في محاربة ومكافحة الإرهاب. ومازالت ماضية وقدمت في هذا المنحى تضحيات عظيمة أكثر من 12 ألف شهيد و22 ألف جريح حرب، بالمقابل تركيا المعروفة بعلاقتها العضوية ودعمها للإرهابين بمختلف مسمياتهم وخاصة تنظيم داعش الإرهابي.

نلاحظ عند أدنى نقطة تلاقي كيف يتم التلاعب بالمصطلحات وتبديل معاييرها والتي تختلف باختلاف المصالح، بالمقابل تركيا التي حولت الشمال الغربي السوري إلى حزام من الإسلامويين المتغذين على ثقافة الكراهية والتطرف والإرهاب، شمال مفخخ وقنابل موقوتة في خاصرة المجتمع الدولي والإنسانية ضحيته الشعب السوري وثورته المباركة بالدرجة الأولى.

أمام هذا المشهد المعقد من التطورات والمستجدات والكم الهائل من التناقضات وتشابك المصالح تبقى كل ما تم تقديمه من قرارات أممية كانت بصيص أمل للشعب السوري وسفينة للنجاة بثورته إلى بر الأمان، تحول كل ذلك إلى سراب وحروف وحلول مكتوبة على الرمال تعاد كتابتها مع كل موجة أتية بما تحمله من مصالح دولية وإقليمية تبيد في الوقت ذاته آمال وتطلعات شعب تواق إلى الكرامة والعيش بحرية، وحقنه بجرعات ملؤها الانتظار والترقب ويرافقها خيبة آمال وفقدان المزيد من الثقة بالمجتمع الدولي و كفيلة بكشف الستار عن النفاق الدولتي.

يبقى الأمل متجدد بالشعب السوري الذي ناضل وقاوم ومازال رغم جميع التحديات وبالإمكان تجاوز أزمته عبر الجلوس على طاولة حوار سوري سوري شفاف ويكون حامل اللواء الحقيقي والفعلي للقرارات الدولية بما يضمن وحدة وسيادة سوريا شعباً وأرضاً عبر انتشالها من مستنقع قاذورات المصالح الدولية.

 

ليلى موسى 

ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.