الأزمة السورية والتسوية الروسية مع إسرائيل!

هل وصلنا، مع دخول الأزمة السورية عامها السادس، إلى مرحلة التفاوض على، أو البحث في موضوع العلاقة بين «سوريا الجديدة» وإسرائيل، أو بدقة أكثر، البحث عن صيغة ما لتسوية روسية مع إسرائيل تكون شرطا لإخراج سوريا من أزمتها؟
لماذا نطرح هذا السؤال الآن؟
أولاً: ما من شك في أن زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي المكثفة لموسكو (لا سيما الأخيرة وهي القمة الإسرائيلية ـ الروسية الرابعة خلال نصف سنة)، تتناول ـ وهذا أمر معلن ـ بحث التطورات في سوريا.
وثانياً: المقارنة مع التجارب العربية السابقة في موضوع المفاوضات مع إسرائيل، حيث كان الطرف الصهيوني يصر على ربط جدية تلك المفاوضات بمدى ضعف الطرف العربي المقابل:
1ـ في التجربة المصرية: لم تدخل المفاوضات مع مصر حيز الجدية إلا بعد تطويق الجيش المصري الثالث في أعقاب خرق الدفرسوار العام 1973. وقد شكل ذلك الحصار ضغطاً كبيراً على المفاوض المصري ووضعت على أساسه المقدمات التي قادت في النهاية إلى اتفاقات «كامب ديفيد».
2 ـ في التجربة الفلسطينية: لقد جاءت مفاوضات «أوسلو» بعد نهاية فترة السنوات العشر (المدة المقررة لاستضافة تونس «منظمة التحرير الفلسطينية») وشروع نظام بن علي في مطالبتها بالبحث عن ملجأ آخر. بينما كانت قوات المنظمة منفية إلى أبعد أصقاع البلاد العربية عن حدود فلسطين (جنوب السودان وجنوب الجزائر وبعض جبال اليمن)، وكانت علاقات دعم المنظمة من الدول العربية عامة والخليجية خاصة قد وصلت إلى أدنى مستوى لها، إن لم نقل قد جفت نهائياً.
3 ـ في التجربة اللبنانية: جرت المفاوضات بشأن اتفاق 17 ايار تحت ضغط الاحتلال المباشر الذي كان ما يزال قائماً على معظم الأراضي اللبنانية.
4 ـ في التجربة الأردنية: تم توقيع اتفاق وادي عربة بعد خسارة الأردن للدعم المادي والمعنوي الذي كان يمده به تحالفه مع عراق صدام حسين، إثر تعرض الأخير للحرب الأميركية عليه في الكويت وما تلاه من حصار دولي خانق.
5 ـ في التجربة العراقية: لا نكشف سراً كبيراً إذا قلنا إن محاولات قد جرت من تحت الطاولة ومن فوقها للبحث مع القيادة العراقية آنذاك في موضوع مقايضة، يربط خروجها من الحال الخانقة التي كانت تعيشها في ظل الحصار والتهديد بالغزو، وبين تغيير موقفها من إسرائيل. ففي خضم ذلك الحصار قام عدد من نواب الكنيست برئاسة النائب العربي عبد الوهاب الدراوشة بتقديم عرض مكتوب للسفير العراقي في واشنطن المرحوم نزار حمدون يتضمن أن يقوم وفد إسرائيلي يضم النواب السبعة (عرباً ويهوداً) الذين يعتبرون من أنصار السلام مع الفلسطينيين ومعهم عشرات من رجال السياسة والإعلام الإسرائيلي والدولي بتشكيل قافلة مساعدات إنسانية غذائية وطبية تتوجه إلى بغداد حيث تعقد مؤتمراً صحافياً تعرب فيها عن التضامن مع الشعب العراقي، بكل ما سيكون لمثل تلك الخطوة «الإسرائيلية» من أصداء دولية تساهم في دعم القضية العراقية إلى درجة التأثير على الرأي العام الأميركي نفسه. وقد نظرت القيادة العراقية (التي كانت ترى، مثلها مثل كل المتشددين العرب، في «جماعات السلام» في إسرائيل مجرد قفازات ناعمة للمؤسسة الصهيونية) إلى هذا العرض على أنه غير بعيد عن أهداف الحصار نفسه ورفضت الرد عليه. وأذكر أني وجهت في حينه سؤالا لوزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز في أحد مؤتمراته الصحافية في باريس عما إذا كان قد عرض عليهم أي مقايضة بين رفع الحصار وتغيير الموقف من إسرائيل، فنفى ذلك نفيا قاطعا وأضاف قائلا: على كل نحن نرفض بأي شكل من الأشكال مثل هذا العرض.
على ضوء هذه التجارب كلها، نرى أن كل محاولات التفاوض التي تكررت بين سوريا وإسرائيل، على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم تكن المواقف الإسرائيلية خلالها تتصف بالجدية. وقد جاءت مذكرات نائب رئيس الجمهورية السورية السابق فاروق الشرع في كتابه الأخير «الرواية المفقودة» لتؤكد ذلك. فهل يا ترى كانت إسرائيل بانتظار سقوط الطرف السوري في «فخ ما» كي تعود إلى التفاوض معه من موقف قوة مختلف، وفي ظل ميزان قوى أكثر اختلالاً؟
وهل نحن الآن في هذا الموقع، وبحضور أكبر وأكثر تأثيراً لروسيا (غير السوفياتية وغير العقائدية) والتي كانت دائما تتطلع إلى دور أكبر في مساعي تسوية ما يسمى بأزمة المنطقة، حتى وهي في أضعف حالاتها أيام الرئيس الأسبق يلتسين، وقد كان لها ممثل نشيط في اللجنة الرباعية هو أندريه فيدوفين الذي لم يساعده هواه الفلسطيني والعربي على تعويض هزال الدولة التي كان يمثلها في مجال تلك المساعي؟
ما من شك في أن إسرائيل تتطلع بكثير من الطموح إلى تحقيق تسوية مع سوريا «الضعيفة»، تستكمل من خلالها ترجمة موازين القوى الجديدة إلى حضور أمني وسياسي واقتصادي ونفوذ في كامل المنطقة العربية. وليس من قبيل المصادفة على الإطلاق أن تتواكب زيارات نتنياهو إلى موسكو مع تجدد الحديث عن إحياء «المبادرة العربية» بعد انضمام السعودية إلى معادلة «كامب ديفيد» عن طريق ترتيبات جزيرتي تيران وصنافير في مدخل خليج العقبة وتواتر الأنباء عن لقاءات سعودية ـ إسرائيلية متكررة في هذه الفترة، وتجدد الحديث والبحث عن صيغة ما لاستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، سواء عن طريق مؤتمر في باريس أو عن طريق مؤتمر آخر في موسكو، وقد كان لافتا وجود وزير الخارجية الفلسطيني رياض الملكي في العاصمة الروسية خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لها.
كما أنه من غير المستبعد أن يكون للحضور الروسي في عالم الغاز على الصعيدين الدولي والمتوسطي ما يعطي للوجود الروسي السياسي والعسكري وزناً مضاعفاً في مقاييس الرغبة الإسرائيلية بدور أكبر لروسيا في معادلة تسويات المنطقة. وقد سبق أن تواكبت زيارة بوتين العام 2012 لإسرائيل مع مفاوضات لشراء ثلاثين في المئة من شركة إنتاج حقل «لفيتان» الإسرائيلي الذي تديره شركة «نوبل إنيرجي» الأميركية في المتوسط، لكن شركة استرالية مدعومة أميركياً حصلت على تلك الحصة ثم عادت إلى التخلي عنها العام الماضي بعد خلاف على استراتيجية الإنتاج. إذ كانت الشركة الأسترالية تركز على تسييل الغاز وتصديره بالناقلات ليصبح متوفراً لأسواقها في شرق آسيا، بينما أصرت إسرائيل على بيعه بصورته الغازية من خلال أنابيب في بلدان المنطقة كالأردن ومصر والضفة الغربية وتركيا. ومن المؤكد أن هذا التغيير قد أعاد فتح الباب لتجديد المحاولة الروسية في هذا المجال.
ومن المعروف أن علاقات إسرائيل مع الدول الكبرى لم تكن في يوم من الأيام علاقات عقائدية، بل كانت على الدوام علاقة مصلحية، تتغير بتغير الأدوار والمصالح وحجم حضور تلك الدول في المنطقة. وقد انتقل مركز الثقل فيها أكثر من مرة بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وأميركا. فلماذا لا يكون الدور حاليا على روسيا التي تضاعف حضورها في المنطقة قوة ونفوذاً في أعقاب اندلاع الأزمة السورية، التي كانت حروب الغاز وخطوط نقلها في صلب عوامل انفجارها؟ علماً أنه كان لافتا في هذا المجال توقيع موسكو مع دمشق، خلال فترة الأزمة والتعاون العسكري بشأنها، على اتفاقات للتعاون والشراكة في استكشاف الغاز على السواحل السورية وإنتاجه وتسويقه.
على ضوء كل ما تقدم، نعود إلى ما بدأنا به حول السؤال عما إذا كانت المرحلة الحالية في الأزمة السورية هي مرحلة البحث عن رابط بين المخرج من هذه الأزمة وصيغة جديدة لاستئناف عملية التسوية في المنطقة، وخاصة للتفاوض على المسار السوري ـ الإسرائيلي، يكون لروسيا دور أكبر فيها!

عدنان بدر حلو

المصدر: السفير