الأسد يمهد لمزيد من التحايل على اللجنة الدستورية

122

ذهب رئيس النظام السوري بشار الأسد، أبعد من وفده في عرقلة برنامج أعمال اللجنة الدستورية، إذ أقحم نفسه باختصاصات وتفويض اللجنة رغم تملص نظامه من الاعتراف بأن وفده ممثل للنظام أساساً خلال أعمال اللجنة، وإصراره على أنه “يمثل الدولة السورية”؛ ما يعطيه صبغة وطنية “حيادية” لا يكون فيها طرفا من أطراف الصراع، ويتيح للنظام التملص كذلك من المخرجات في حال لم توافق رؤيته واستمراريته.  

وقال الأسد، في مقابلة مع قناة تتبع لوزارة الدفاع الروسية، إن تركيا والدول الداعمة لها، بما فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها، “غير مهتمة بعمل اللجنة الدستورية بصورة بناءة”، وأن مطالبها “تهدف إلى إضعاف الدولة السورية وتجزئتها، وهذا ما تشهده مناطق ودول كثيرة تفرض عليها واشنطن دساتير تدفع بها إلى الفتنة والفوضى وليس إلى الاستقرار”، مضيفاً أن نظامه “لا يقبل هذا المنهج ويرفض التفاوض حول قضايا تخص استقرار سورية”. 

حاول الأسد توضيح الرسالة للداعمين الغربيين لعمل اللجنة، ومفادها أن الاستقرار لن يكون إلا من وجهة نظر النظام

وبما أن اللجنة الدستورية، أو عملية صياغة دستور جديد للبلاد، تعد إحدى الخطوات في اتجاه تحقيق الاستقرار، في طريق تمضي فيه قوىً دولية لإنهاء الصراع المستمر منذ حوالي تسع سنوات وكلف سورية مئات آلاف الأرواح من سكانها ومئات مليارات الدولارات من خسائرها الاقتصادية؛ فلا بد أن الأسد يحاول دق مسمار في نعش اللجنة، وهو الذي قبل بالمشاركة بها مرغماً إثر الضغوط الدولية على حليفته روسيا. غير أن اللجنة تسير بخطوات أكثر من بطيئة بسبب تعمد وفد النظام المماطلة بمناقشة المضامين الدستورية وإدخال مواضيع غير دستورية إلى جدول الأعمال، وقبل ذلك عرقة إطلاق عمل اللجنة حوالى عامين.  

وحاول الأسد توضيح الرسالة للداعمين الغربيين لعمل اللجنة، ومفادها أن الاستقرار لن يكون إلا من وجهة نظر النظام. وقبل ذلك، أشار إلى المماطلة الزمنية بالقول إن “المفاوضات ستأخذ وقتاً طويلاً”، وقد سبقه في التلميح إلى ذلك وزير خارجيته وليد المعلم، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعهما بدمشق في الأسبوع الأول من أيلول/ سبتمبر الماضي، حين أكدا أن عمل اللجنة غير مرتبط بجدول زمني، وفصل أعمالها وحتى نتائجها عن الانتخابات الرئاسية التي يحين موعدها منتصف العام المقبل.  

وفي حين يبذل المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، جهودا لجمع أطراف اللجنة في جولة رابعة من أعمال الدستورية، التي كانت مقررة بشكل مبدئي في الثالث من الشهر الحالي، لبداية بحث مضامين دستورية واضحة بعد أن فشلت الجولات الثلاث الماضية بتحقيق تقدم في هذا الجانب، حين فرض النظام رؤيته بتكريس مناقشة ما وصفها “الثوابت والركائز الوطنية”؛ يحاول النظام تعطيل جهود بيدرسون باختلاق الخلافات والترويج لها، إذ نقلت صحيفة “الوطن” الموالية للنظام السوري، نهاية الشهر الماضي، عما وصفته بمصدر دبلوماسي غربي رفض الكشف عن هويته، أن “الجولة التي كانت مقررة في الثالث من تشرين الأول القادم باتت بحكم المؤجلة بعد خلافات على جدول الأعمال”، مضيفةً، على لسان المصدر، أنه “ثمة تعديلات أُدخلت على جدول الأعمال المتفق عليه سابقاً، إلا أن هذه التعديلات لم تحظَ بمباركة جميع الأطراف، ما سيؤدي إلى تأجيل الجولة القادمة إلى موعد يتفق عليه لاحقاً”.  

في المقابل، أشارت مصادر من داخل وفد المعارضة للجنة الدستورية، بأنه لم يصل إليهم أي كتاب رسمي بخصوص تأجيل الجولة، سواء من الأمم المتحدة أو مكتب المبعوث الأممي، غير أن الجولة لم تعقد في توقيتها، وكذلك لم يعلن بيدرسون عن موعد جديد. 

كذلك، علم “العربي الجديد” من مصادر خاصة، أن موسكو أخبرت بيدرسون برغبتها في الحفاظ على مسار اللجنة الدستورية. ووفق المصادر، فإن بيدرسون أجرى محادثة مع الجانب الروسي أخيرًا، في محاولة للحصول على ضغط على النظام من أجل إحراز تقدم في المباحثات الجارية حول جدول أعمال الاجتماعات المقبلة، خصوصاً أن النظام يُصرّ على إبقاء جدول أعمال الجولة الثالثة حاضراً في الاجتماعات، والذي يتمثل في مناقشة “المبادئ الوطنية” أو “الهوية الوطنية”. 

وبحسب المصادر، فإن روسيا أكدت لبيدرسون أنها “ستحاول إقناع النظام بإظهار ليونة أكثر في المباحثات الجارية حيال جدول الأعمال”، داعية المبعوث الأممي إلى “عدم فقدان الأمل في التوصل إلى جدول أعمال توافقي بين الأطراف”، مؤكدة “عدم رغبتها أو نيتها في أن يتم تعطيل هذا المسار”.  

وتعليقاً على تصريحات الأسد، قال إبراهيم الجباوي، عضو اللجنة الدستورية عن القائمة الموسعة للمعارضة، إن “النظام من المعروف عنه التسويف والمماطلة، ولا سيما في التعامل مع اللجنة الدستورية، وله هدفان في ذلك؛ الأول كسب الوقت لظنه أن يستطيع كسب جولة عسكرية جديدة وذلك ما يوحى إليه من روسيا، بل وإنه يسعى لحسم عسكري كامل، وهذا وهم كبير؛ لأن المجتمع الدولي لن يسمح بحسم عسكري لأي طرف على حساب الآخر، وكذلك تعد المماطلة مسعى روسياً لإطالة أمد الحرب وتحصيل ما يمكن تحصيله من ثروات واستثمارات البلاد التي يمنحها الأسد لها على شكل (أتاوات) مقابل تدخلها إلى جانبه، أما الهدف الثاني، هو هدف الأسد بإجراء انتخابات رئاسية قبل إكمال اللجنة لأعمالها، كي يمرر عملية انتخابه لفترة رئاسية أخرى، بحجة عدم الانتهاء من صياغة الدستور الجديد وإجراء الانتخابات بموجبه”.  

تعد المماطلة مسعى روسيّاً لإطالة أمد الحرب وتحصيل ما يمكن تحصيله من ثروات واستثمارات البلاد

وعن خيارات وفد المعارضة في اللجنة حيال ذلك، أشار الجباوي، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن وفد “المعارضة ذهب وسيذهب إلى كل المحطات والجولات في عمل اللجنة لإنجاز هدفها النهائي بإنتاج دستور للبلاد، وسنسعى بالتواصل مع كل القوى العربية والإقليمية والدولية للدفع نحو إتمام المهمة وتحقيق هدف هذه السلة (اللجنة الدستورية) من القرار 2254، للانتقال إلى غيرها من السلال التي يتضمنها القرار”.  

ويرى الجباوي أن “صيغة الحل النهائي في سورية، بالنسبة للمجتمع الدولي لم تتبلور وغير ناضجة كما يجب، ولا سيما مع الصراع على المصالح إقليمياً وفي سورية على وجه الخصوص، وتحديداً بين القطبين الرئيسيين الولايات المتحدة وروسيا، الذي يؤخر أي عملية أو مسار للحل”، مشيراً إلى أنه في “حال التوافق الدولي ولا سيما بين القطبين، سيكون الحل سهلاً ولن يتطلب جدولاً زمنياً أكثر من أسبوع على غرار التجربة البوسنية”.  

وعلى هامش الجولة الماضية من أعمال الهيئة المصغرة للجنة الدستورية، أشار الرئيس المشترك للجنة عن النظام أحمد الكزبري، إلى “ضرورة التوافق على المبادئ الوطنية قبل الانطلاق إلى المبادئ الدستورية، وأهمها احترام سيادة ووحدة واستقلال أراضي الجمهورية العربية السورية، وهو مبدأ وطني سامٍ”، وفق تعبيره. لافتاً إلى أنه “لا يمكن إنجاز الدستور في مدة زمنية قصيرة”، وأن وفده “حريص على السير في هذه العملية وفق مراحل دقيقة ومنهجية، وليس القفز مباشرة إلى الصياغة”، ما يشير إلى إمكانية ذهاب النظام للمرواغة بجولات تستغرق أشهراً وربما أعواماً في مناقشة مقدمة الدستور قبل الدخول في المضامين الدستورية، وتلك سياسة أثبتت نجاعتها بالنسبة له في مسار جنيف التفاوضي الذي لا يزال معلقاً إلى الآن.  

وخريف العام الماضي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة تشكيل اللجنة الدستورية بعد حوالي 18 شهراً من ولادة فكرتها خلال مؤتمر سوتشي أو ما عرف بـ”مؤتمر الحوار الوطني السوري” بداية عام 2018. وعقدت الهيئة الموسعة من اللجنة اجتماعها الأول في 30 تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته، قبل إحالة المناقشات إلى “الهيئة المصغرة”. وتضم الهيئة الموسعة 150 عضواً، 50 عن كل قائمة من القوائم الثلاث، النظام والمعارضة والمجتمع المدني، فيما تتألف الهيئة المصغرة من 45 عضواً، 15 عضواً عن كل قائمة. 

المصدر: العربي الجديد