الأسلمة والقومية: قطيعة أم قرابة؟

سؤال يبدو كأن الدهر أكل عليه وشرب: كيف تحوّلت قطاعات كبيرة من مسلمي بلدان الهلال الخصيب ومصر من ممارسته كدين منظّم لعبادات الإنــسان وعلاقته بالله إلى القبول به وتحبيذه كسلطة اجتماعية تتحكّم بحقول التشريع والسياسة والسلوك الاجتماعي وأنماط اللباس والعادات والعلاقات الاجتـــماعية ووسائل الترفيه؟ وإجابتان أكل الدهر عليهما وشرب لكنهما باتتا في عداد البدهيات: صحوة دينية للمجتمعات بعد سبات جاهلي مديد من وجهة نظر الإسلام السياسي، وانهيار المشروع الحداثي لبناء دولة وطنية شبه علمانية بعد نصف قرن أو أكثر من انطلاقه، من وجهة نظر العلمانيين.

عدت إلى التفكير بتلك الإشكالية بفضل مشروع بحثي يشرف عليه الصديق عزيز العظمة ودعاني إلى إلقاء محاضرة ذات علاقة به لأكتشف أن السؤال ليس مكروراً في واقع الأمر، إذ هو يركّز على التحولات المجتمعية المزلزلة التي غالباً ما اختزلتها التحليلات والدراسات إلى مشروع سياسي يسعى حاملوه إلى إقناع الناس بتفوق برنامجهم وقيمهم على غيرها والحلول محل دولة منسحبة من وظائفها في تقديم الخدمات وإيجاد فرص عمل لهم. لذا فإن تفسير الأسلمة كرد فعل على الإحباط الناجم عن انكسار التجارب التحديثية قد يكون صحيحاً، لكنه يظل قاصراً إلى درجة كبيرة. فثمة افتراض مضمر حتى لدى المتابعين للتحولات المجتمعية بأن السياسة هي الفاعل الرئيس في أسلمة المجتمعات لا العكس، أي أن المغالاة في التأسلم لعبت دوراً لا يقل شأناً في تسيّد الإسلام بوصفه حقلاً سياسياً- اجتماعياً.

قصور الإجابة الأخيرة يكمن في أن العقل التنويري العربي والباحثين الغربيين تعاملوا مع الانتقال من العلمانية إلى الإسلام كبداهة فغاب عن أذهانهم سؤال جوهري: لماذا لا بد لمجتمعاتنا وقد أحبطتها انهيارات النظم القومية الشمولية من البحث عن نظم شمولية بديلة تملأ الفراغ وتؤطر حياتها وتنمّطها؟

لنتأمل في الأمر. تصاعد إحساس الروس وشعوب أوروبية شرقية أخرى قبلهم بتفسخ النظام الشيوعي قبل عقد من سقوطه على الأقل، لكن هذا لم يترافق مع انتشار موجة تديّن جماهيرية، حتى في بولندا التي لعبت الكنيسة فيها دوراً كبيراً في المعارضة. وحين سقطت تلك النظم لم يطرح عاقل مشروع إقامة نظام مسيحي بل استعاد المواطن فرديته وحريته منتشياً بتعددية تنبذ قيمة الإجماع اللائقة بقطيع وصوّت لأحزاب يمينية ويسارية ووسطية.

فلمَ تنتقل مجتمعاتنا من طور شمولي إلى آخر؟ لمَ تبحث عن راع يعيدها إلى القطيع بعد أن أفلتت من راع آخر؟ وهل يستحق هذا الانتقال تسميته انتقالاً؟

الجواب ببساطة هو أن النظم الاشتراكية أرست أسس الحداثة فيما لم ننتقل إليها بعد على رغم كل ادّعائنا بعكس ذلك. أنضج التصنيع والبناء الاقتصادي والتطور العلمي طوال عقود جنين مجتمع مدني بات النظام الدولتي الديكتاتوري يخنقه. وليس هذا ما حصل عندنا. ظلّ الريع مصدر الثروة الأساس في المشرق تتحكم به الدولة، أو القائد وبطانته. وبين هذا وبين ملكية الدولة الاشتراكية للمصانع والمنشآت الاقتصادية فرق شاسع. لن تنهار الدولة المشرقية إن توقّف نشاط المصانع لكنها ستنهار إذا انقطع عنها الريع سواء جاء عبر النفط أو الغاز أو المساعدات الخارجية أو عبر قناة السويس. لن تنهار دول المشرق إذا أضرب العمال عن العمل لكن إضرابات العمال في بولندا أسقطت النظام الاشتراكي فيها.

باختصار، لم تنتج التحولات الاقتصادية الاجتماعية الكبيرة التي حدثت في المشرق طوال العقود الماضية مجتمعاً مدنياً قادراً على الاستقلال عن الدولة بل أنتجت جموعاً تنتظر منّة الحاكم بما في ذلك المحظوظون الذين تتناسب ثرواتهم مع درجة قربهم من السلطة وقدرتهم على نيل عقودها أو على الحصول على حمايتها وهم يثرون بطرق غير قانونية. من هنا فإن الأسلمة المتشددة التي استشرت منذ نهاية السبعينات قامت على بناء نموذج دولتي مشابه لما سعت إلى إسقاطه، ينتزع الريع من القابضين عليه لكي يضعه في أيدي حكام جدد.

هذا المنظور يخفف من المغالاة في تقسيم تاريخ مجتمعاتنا الحديث إلى حقبتين هما حقبة الحياة شبه العلمانية وحقبة التديّن. من الطبيعي أن يهولنا الانقلاب في العلاقات والطقوس الاجتماعية وتغير صورة المجتمع الذي يسعى الناس إلى بنائه والعيش فيه في ظل حقبة التدين المتشدد. مثلما أصاب الهول أبناء الطبقات المدنية الوسطى عند صعود فئات اجتماعية جديدة الى الحكم إثر الثورات القومية في منطقتنا خلال الخمسينات والستينات، وهي التي عمّمت أنماط علاقات اعتبروها مبتذلة وغير مألوفة. لقد أحدثت تلك الثورات انقلاباً لا يقل زلزلة عما نشهده الآن لم نعد ننتبه إليه، لأن الغالبية الساحقة من أحياء اليوم نشأوا متطبّعين بقيمه فما بات في أعينهم غير المجرى الطبيعي للأمور.

نشأنا وتربّينا في ظل أنظمة قلبت العلاقة بين الدولة والمجتمع وقلبت شكل العلاقات الاجتماعية. فكما يسعى رجل الدين ليحل محل حكّام اليوم، حلّ العسكر محل السياسيين خلال الخمسينات والستينات ليقيموا أنظمة حكم الحزب الواحد أو القائد على أنقاض تعددية حزبية رأوا أنها تفرّق الصفوف وتهدد الوحدة الوطنية التي لا تقبل القسمة على رؤى متعددة. ومحل سلطة القضاء المستقلة بهذا القدر أو ذاك أطلقوا العنان لسلطات الأمن والمخابرات التي لا يلجم انفلاتها واستقلالها غير الزعيم القائد، وسيّسوا القوانين مثلما سيّسوا المناهج التعليمية. ومحل التعددية الإعلامية فرضوا صحفاً ووسائل إعلامية موحّدة الخطاب المسبّح باسم النظام القائم. ودخلت في ظل وسائل الإعلام المحتكرة، التي لم يكن ثمة غيرها قبل عصر الصحون الفضائية، أنماط غنائية وفنّية جديدة. ومحلّ التجمعات الطالبية والنسوية والشبابية والنقابية المتعددة فرضوا بقوة القانون منظّمات متفرّدة تؤطر حياة وأنماط تفكير وسلوك كل من تلك القطاعات. وليس أقل أهمية بالتأكيد، بل ربما كان الأكثر تأثيراً في قلب علاقة الدولة بالمجتمع، سيطرة الدولة على كل القطاعات الاقتصادية المهمة: الصناعة والمصارف والتأمين والتجارة الخارجية.

قد يبدو هذا الزلزال ابن ماض اندثر، إذ لا نعي أن آثاره العميقة باقية في أنماط حياتنا ورؤانا. لكن يكفينا التأمل في توق قطاعات كبيرة ثارت على النظم الديكتاتورية وعارضتها لعودة مستبد عادل مثل جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم، ولحماسها لصعود السيسي. فالتاريخ لا يعرف قطائع كاملة بل ثمة حاملون أنماط وعي ورثوها عن نظم يثورون عليها. ولعل هذا يفسّر، وإن جزئياً، أسباب انتقال الوعي القومي إلى وعي ديني بدرجة أقل تعقيداً مما تبدو لنا نحن العلمانيين. فالعلاقة بين القيم القومية وقيم الإسلام المتشدد ليست علاقة تعارض بين حداثة وتخلف فقط بل هي علاقة قرابة من حيث الأسس والغايات.

تتشابه الرؤيتان، كما لاحظ عدد من الباحثين، في أن مرجعيتهما هي الماضي، على عكس الليبرالية أو الماركسية اللتين تنطلقان من حاضر لا شبه بينه وبين الماضي، ومستقبل يبني على الحاضر ولا يكرره.

في المنظور القومي والديني ثمة روح كامنة للأمة العربية أو الإسلامية منذ الأزل تنتظر من يخرجها من كمونها لاستئناف ما انقطع والعودة إلى ماض عربي أو إسلامي مجيد متخيّل. ليس هذا التشابه شكلياً تقتصر أهميته على دارس الفكر، فالعودة إلى ماض مجيد تعني أن للأمة خصوصية تميّزها عن باقي الأمم وتخرجها عن مسار التطور البشري الصاعد فيما هي تريد استعادة مجد تليد.

والخصوصية تعني أن على الأمة مواجهة خصوم لا يريدون لها هذه العودة، سواء كانوا صهاينة أو غربيين أو فرساً أو صليبيين. ولا يمكن للأمة الوصول إلى غاياتها إلا عبر القوة العسكرية التي تحتل أولوية في الحسابات تسبق تحقيق رفاه البشر (هل يفسّر هذا انضواء عدد كبير من كبار ضباط نظام البعث العراقي في «داعش» واحتلالهم مواقع قيادية فيه؟).

وليس من دون دلالة أن النظام الناصري فقد مشروعيته في أعين قطاعات جماهيرية كانت مؤيدة له، لا بسبب ديكتاتوريته ولا بسبب الفساد الذي استشرى فيه ولا لعجزه عن تحسين شروط حياتها، بل لأنه انهزم عسكرياً في حربه ضد إسرائيل. وليس عرضاً أن قطاعات من اليسار والفصائل الفلسطينية تقف إلى جانب نظام الأسد وإيران إذ ترى أنهما مستهدفان من الغرب وإسرائيل وأن الحفاظ على القدرة العسكرية للأسد وإيران و «حزب الله» أهم من تحقيق مطالب الشعوب باستعادة كرامتها.

إن نجح مشروع الإسلام السياسي في جذب جمهرة من أنصار النظم القومية، فضلاً عن أجيال جديدة لم تعش في ظلها، فإنه مدين جزئياً على الأقل إلى ديمومة الهوس بالقوة العسكرية كمعيار لعظمة الأمة. ثمة قطع كبير بين ما سبق وما لحق بالتأكيد، بين الأسلمة والنظم شبه العلمانية، لكن ثمة استمرارية لا تخطئها العين منذ الآن وهي تراقب مختبر الفصائل الإسلامية السورية.

عصام الخفاجي

المصدر: الحياة