الأقليات من دون جبالها

27

ما جرى للدروز في جبل السماق بمحافظة ادلب ومن ثم الهجوم على مطار الثعلة في جبل العرب ومحاولة اقتحام بلدة حضر في جبل الشيخ، لا يخرج عن سياق ما ينتظر الاقليات في سوريا على أيدي التنظيمات الجهادية ولا سيما منها “داعش” و”جبهة النصرة” التي هي فرع تنظيم “القاعدة” في بلاد الشام، علما ان ثمة تنظيمات لا تقل تطرفاً عن هذين التنظيمين الى درجة ان وزير الدفاع الاميركي آشتون كارتر شكا قبل أيام من ان وزارته لا تجد “معتدلين” في سوريا لتدريبهم في مخيمات اقامتها في الاردن وتركيا في سياق الاستراتيجية الاميركية لمحاربة “داعش” بمقاتلين سوريين “معتدلين”.

وعندما يغيب “الاعتدال” الذي تبحث عنه أميركا في سوريا، فهذا يعني ببساطة ان الجهاديين هم الجهة
الوحيدة البديلة من النظام السوري، سواء أقر المسؤولون الاميركيون بذلك أم استمروا في التمسك بنظرية البحث عن “معتدلين”.
وفي مناخ التطرف الجهادي الضارب في سوريا والعراق واليمن، من الصعوبة بمكان ان تعثر الاقليات على ملجأ. ونظرية الحياد سينظر اليها الجهاديون وكأنها هروب من الوقوف الى جانبهم في مواجهة الآخرين. أما نظرية اللجوء الى طلب الحماية من الخارج، فإن الخارج اذا كان لا يرى ان هذه الحماية تتفق ومصالحه لن يقدمها أو سيصل متأخراً. فالائتلاف الدولي ساعد اكراد العراق وسوريا لأن ذلك يتفق ورؤيته في اقامة وطن مستقل للاكراد يمتد من سوريا الى ايران مرورا بالعراق وتركيا.
أما الاقليات المسيحية في العراق، فقد سحقت ولا من معين لها، تماماً مثلما حصل للايزيديين. وهذا ما حصل للمسيحيين في الحسكة والرقة وبقية الاماكن التي استولى عليها “داعش”. وتبين ان معاملة “جبهة النصرة” لمسيحيي ادلب ليست أفضل من معاملة “داعش” لهم في أماكن سيطرتها. وهذا ما انطبق على الدروز في ادلب ولم يشكلوا استثناء للمنطق الالغائي الذي تتبناه “النصرة”.
ولا يبدو ان الحماية التي يحكى عنها سواء من الاردن أو اسرائيل قادرة على انقاذ أية اقلية من التهجير أو الذوبان، ولا حتى الانضمام الى الجهاديين ضد النظام السوري، يمكن ان يدرأ الخطر الآتي الذي لا يؤمن بأي تنوع. وكل التجميل الذي حاولت “الجزيرة” اضفاءه على خطاب أبو محمد الجولاني محته مجزرة قلب لوزة.
الاقليات في سوريا والعراق تواجه أخطر مصير لها منذ مئة عام. وفي اي اتجاه تذهب تترتب عليه نتائج، خصوصاً ان الخيارات المتاحة باتت ضيقة جداً ولم يعد ثمة مكان لترف الحياد.

 

سميح صعب

النهار