الأميركيون يعاقبون أوباما وبوتين يقبض على الملف السوري!

وجهت غالبية الشعب الأميركي ضربة موجعة إلى الرئيس باراك أوباما في الانتخابات الأخيرة حيث حافظ الجمهوريون على السيطرة على مجلس النواب، وانتزعوا الأكثرية في مجلس الشيوخ، وهذا الأمر لم يحدث منذ سنوات.

طبعاً هذا تصويت عقابي أو تأديبي لأوباما، للتعبير عن عدم رضا أكثرية الشعب الأميركي عن سياساته ومواقفه سواء في الداخل أو في الخارج، وتحديداً في الشرق الأوسط لجهة الفشل في تأمين استئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، أو للإرباك الذي يسود إدارته في التعاطي مع أوضاع سورية والعراق والفشل في مواجهة «داعش»، وأمور أخرى مرتبطة بالشرق الأوسط الذي يعيش أزمة غليان واضطراب خطيرين.

ويطرح أحد الأسئلة: كيف سيمضي أوباما ما تبقى من ولايته الثانية (قرابة السنتين) مقيد السلطات في مجلسي الشيوخ والنواب؟ وكيف ستكون السياسة الأميركية في المنطقة خلال هذه الحقبة الزمنية الآتية؟

في ما يتعلق بمواجهة «داعش»، أعلن أوباما أن أجهزة الاستخبارات المركزية لم تزوده بـ»المعلومات الدقيقة»! مضيفاً: «إن مقاومة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط ستحتاج إلى وقت طويل» قد يمتد إلى عقود.

وبالإضافة إلى ذلك فشل أوباما فشلاً ذريعاً في التعاطي مع سورية ونظام الرئيس بشار الأسد، وانتقل من مطالبته بالاستقالة والتنحي إلى إغفال تام لهذا المطلب تاركاً لروسيا حرية الحركة والتصرف بـAالملف السوري».

وحول تطورات الوضع في سورية أجريت اتصالاً بالصحافي الأميركي البارز الصديق ديفيد اغنيشس وهو كاتب المقالات الافتتاحية في «واشنطن بوست» ويتمتع بنفوذ كبرى لدى دوائر القرار في واشنطن. وأفادني بالمعلومات التالية:

«حيال مطاردة «المعارضة المعتدلة» المدعومة أميركياً، من أكثر من طرف في سورية، طرحت مجموعة وساطة أوروبية استراتيجية بديلة لوقف إطلاق النار والتخفيف التدريجي من تصاعد أعمال العنف في دولة لا مركزية في المستقبل».

ويضيف: «الحل على المدى القصير لا يكمن في تشكيل حكومة انتقالية ولا في تقاسم السلطة بل في تجميد الحرب. والإقرار بأن سورية أصبحت دولة لا مركزية في فوهة البندقية». ويقول: «وقف إطلاق النار سيسمح بالتحرك نحو إيجاد حل سلمي وإجراء عملية انتقال سياسي عبر التفاوض».

ويضيف التقرير الأوروبي الخاص بالوضع في سورية: «نظام بشار الأسد يعلم أنه لا يمكنه استعادة كل أجزاء البلاد أو الرجوع بالزمن إلى الوراء»، و«في الوقت الذي طرد فيه الثوار المعتدلون في الجيش السوري الحر من معاقلهم في شمال البلاد، ولم تنجح مناشدة الثوار المعتدلين للولايات المتحدة لتقديم المساعدة للحيلولة دون تكبد الخسائر الكبيرة». وجاء في التقرير ما حرفيته: «إننا نواجه صعوبات كبيرة في مواجهة مقاتلي «جبهة النصرة» في إدلب… إننا بحاجة ماسة إلى الدعم الجوي». وفي تقرير صادر في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي ورد: «إن المعنويات منخفضة، ومن شأن الدعم الجوي أن يعمل على عدم وقوع كارثة». وتشير هذه الانتكاسة الأخيرة إلى أنه من دون الدعم الذي ما زالت إدارة أوباما غير مستعدة لتقديمه، تعد الاستراتيجية الأميركية التي تدعم المعتدلين من أجل إلحاق الهزيمة بالمتشددين «مجرد خيال».

ما الحل؟ يقول التقرير: «الحل الوحيد يكمن في إجراء مصالحات محلية، ويجب إعادة الدولة السورية كلها، ويتعين أن يكون هناك احترام لحقوق وكرامة الجميع بمن فيهم الثوار، مقابل احترامهم للدولة ومؤسساتها». وفي الختام يرى أنه «تكمن المعضلة الكبيرة في توصيات المجموعة من أن الثوار ربما يعتبرون هذا النهج استسلاماً. كما أن الرئيس الأسد أصبح بمثابة نقطة جذب للمتشددين، وطالما أنه لا يزال في السلطة فمن الصعب أن نتصور أن ينظر الثوار إلى أي شكل من أشكال المصالحة أكثر من كونه مجرد هدنة موقتة».

ومع ذلك تقول مجموعة الوساطة: «هناك مسار متاح يمكن بموجبه الخروج من ذلك الجحيم»، بينما يختم أغنيشس بالقول: «إذا كانت إدارة أوباما لديها استراتيجية بديلة متماسكة فدعونا نستمع إليها».

وحيال ما يشبه حال العجز من جانب الولايات المتحدة تجاه الوضع في سورية، تعمل روسيا على توظيف «الأخطاء الأميركية» في هذه المنطقة وتحاول وضع اليد كاملة على الملف السوري، وهذا ما حدث في الأسابيع والأيام الأخيرة.

وفي العودة إلى الماضي القريب نتذكر أنه منذ اندلاع شرارة الحروب في سورية كان الموقف الروسي داعماً ومتعاطفاً مع النظام، وقد جنّبه الدعم الروسي صدور أي قرار عن مجلس الأمن الدولي يدينه، لأن الفيتو الروسي كان بالمرصاد لكل قرار. ومع التقلبات التي شهدتها فصول الحرب، استمر التحالف السوري- الروسي بقوة، مقابل الإرباك الذي ساد لدى الجانب الأميركي. وشهد الواقع السياسي في واشنطن وجود العديد من الخلافات بين أوباما وكبار مساعديه ومنهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي خصصت فصولاً مطولة عن اختلاف وجهات نظرها مع أوباما، خصوصاً حول سورية. وهي تشير إلى «الخطأ القاتل» الذي ارتكبه عندما هدد بتوجيه ضربات عسكرية، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة.

«وكان لهذا التصرف رد فعل سلبي» كما تقول كلينتون، التي تُعد ولو بهدوء لإمكانية ترشحها للانتخابات الرئاسية بعد نهاية ولاية أوباما بعد سنتين. وتوجه اللوم لأوباما بأن المواقف والسياسات التي اعتمدها أساءت إلى الحزب الديموقراطي ككل، وإلى حظوظه في إمكانية الفوز في الانتخابات المقبلة.

ومقابل هذا «التفكك» ظهر التماسك في الموقف الروسي، خصوصاً بين الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي لمع نجمه في السنوات الأخيرة، ويذكر البعض أن لافروف تفوق على وزير الخارجية السوفياتي البارز أندريه غروميكو والذي نال شهرة واسعة في حينه.

واستناداً إلى معلومات من مصادر موثوقة تتحرك موسكو باتجاه عقد اجتماعات مع مختلف التيارات السورية أملاً في التوصل إلى حل يبدأ بوقف إطلاق النار كمرحلة أولى تتبعها مصالحات بين مختلف الفصائل. ومنذ اندلاع الأزمة السورية حدثت تطورات وظواهر، منها تدفق عدد غير قليل من الشبان والشابات للمشاركة في القتال. وهكذا وجدنا خلال السنوات الخمس الماضية انضمام مجموعة من جنسيات غربية مختلفة إلى المقاتلين، والآن تشكل هذه المجموعات إشكالية كبيرة للدول التي أتوا منها والتي يعودون إليها تدريجياً. ومن حين لآخر يصبح الشرق الأوسط أشبه بــ«أكاديمية لتخريج الإرهابيين» عبر تنظيمات عابرة للقارات والأماكن.

ويظهر هذا التطور مقدار مخاطر دعم الإرهاب الذي اعتمدته بعض الدول في مرحلة سابقة وكأن السحر انقلب على الساحر، حيث تشعر الدول الداعمة للإرهاب أن مكافحة هذه الآفة ليست بالمهمة السهلة. وأدركت هذه الدول ولو متأخرة أن تعاطيها مع الإرهاب والإرهابيين لم يكن في مستوى هذا التحدي الكياني والمصيري.

كذلك سقط الشعار الذي اعتمده البعض والقائل بمكافحة هذا الإرهاب في جغرافيا بعيدة عن هذه الدول. فالتجارب أكدت الارتباط العضوي بين ما يجري في حضرموت والربع الخالي من نشاطات إرهابية وكيف عرّضت ولا تزال تعرض للخطر الأمن القومي في كافة دول العالم من دون استثناء.

وبعد…

أولاً: كل ما يجري يندرج تحت عنوان عريـــض وهو رواج «بيزنس العصر» وازدهـــار أسواقه إقليمياً ودولياً، إضافة إلى ملاحظة هامة مستمدة من الواقع المعـــاش: وجـــود سوق رائجـــة من المرتزقة العاطليــن من العمل توفر فرصة عمل بدل البطالة في بلاد المنشأ التي أتوا منها.

ثانياً: مع حــــدوث هــذه التطورات لا بد مـــن التعــــرض لاجتماعات العاصمة العمانية مسقط بين الأميركي والإيراني تحت العنوان العريض: الملف النووي الإيراني. وظهرت معلومات عن المداولات التي شهدتها الاجتماعات المشتركة بين جون كيري وزير الخارجية الأميركي، ومحمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، وانضم إليها وزير الشؤون الخارجية العماني، يوسف بن علوي بن عبد الله والمفوضة الأوروبية كاترين أشتون. فاجتماعات مسقط، مع أنها لم تُزل كل العقد المحيطة بالملف النووي الإيراني، فقد «باتت الأمور المتفق عليها أكثر من المختلف عليها»، بحسب قول أحد المتابعين عن قرب للمفاوضات لـ«الحياة». ويبقى انتظار الموعد الكبير المقرر خلال أيام قليلة في فيينا، خصوصاً أن العديد من الدول والمراجع يعلق الآمال العريضة على أي «تفاهم نووي». وآخر المراهنين على النجاح هو رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، الذي قال: إن أي نجاح في «النووي» من شأنه أن يسهل الطريق نحو إنجاز الاستحقاق الدستوري الأول في لبنان، ألا وهو انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية. ولكن على كل المنتظرين في صفوف طويلة من الطوابير لرؤية أي تفاهم أن يدركوا حقيقة موقعهم من سلم أولويات الإقليم والمنطقة والعالم، وألا يبالغوا في تقدير هذا الموقع.

وفي ما يتصل بفوز الجمهورين الكاسح في الانتخابات الأخيرة، علينا أن ننتظر تحولات في الموقف الأميركي العام وبخاصة في الشرق الأوسط. والسؤال هو: بعد التخبط والإرباك في الموقف الأميركي وبخاصة حيال الأوضاع البركانية السائدة في المنطقة، أي موقف أميركي علينا أن ننتظر بعد سقوط أوباما في موقع «البطة العرجاء»؟

عادل ملك – الحياة