الإحتلال الروسي لسوريا إرادة أمريكية

لم ترث روسيا ديون الإتحاد السوفييتي وقوته العسكرية فقط، بل ورثت أيضا الدول المستقلة عنه والتي كانت فيما مضى ترزح تحت احتلال روسيا القيصرية، التي لا تزال روسيا الاتحادية الحالية تعيش نفس أوهامها الامبراطورية وتمارس أيضا نفس غطرستها الاستعمارية ليس فقط على جيرانها ولكن أين ما سمح لها، لكن بدا أن هذا لن يستمر للأبد في دول مثل جورجيا وأوكرانيا مما دفعها لإقتطاع جزء من الدول الخارجة من نير عبوديتها كما فعلت بسلخ أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا عام 2008 وصنعت منها دولا مستقلة لم يعترف بها حتى الآن أحد غيرها.
وكذلك فعلت مؤخرا في أوكرانيا فضمت القرم واقتطعت ما يسمى جمهورية دونتسك الشعبية. لم تراض نفسها بسلب تلك الدول وإبقائها تحت نفوذها لا بل كان ذلك رغبة أمريكية فلا تتقطع أوصالهم في البيت الأبيض من أجل حرية أوكرانيا ووحدة أراضيها بل أكثر ما يهمهم هو استمرار الحاجة إلى نفوذهم إلى الأبد وهذا ما لن يحدث بغير وجود تهديد دائم لتلك الدول متمثل بروسيا. ولنفس السبب تترك لتلعب دورا في إنقاذ نظام الأسد المتهالك وإطالة عمره وتفرض الحاجة لحليف بحجم الولايات المتحدة لا بديل للمعارضة السورية عنه لمواجهة الاحتلال الروسي لبلدهم.
ما يحدث في سوريا الآن لا يشبه ما جرى بين الأمريكيين والسوفييت في افغانستان حيث اقتضى الصراع الإيديولوجي على كل منهما السعي لإلغاء وجود الآخر، أما الآن فيغيب هذا الوارد عنهما ويفرض منطق التعايش مع الآخر نفسه مع أخذ القوة بكل أشكالها بعين الاعتبار. وما التنسيق بينهما حول احتلال المجال الجوي السوري على الرغم من اختلاف حلفائهما على الارض وبالتالي إختلاف الأهداف التي يقصفونها إلا خير دليل على ذلك.
تبدو روسيا أكبر مما هي عليه في الواقع؛ لكن تقتضي لعبة الاضداد التي تنتهجها الولايات المتحدة لتبسط سيطرتها على العالم وجود مارد ولو من ورق في الطرف المقابل سواء روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية أو غيرها حسب المنطقة الجغرافية مما يدفع الدول إلى الإرتماء في الحضن الأمريكي رغم أن كثيرا من تلك الدول التي تستجدي النفوذ والتدخل الأمريكي تعلم حقيقة خصومها لكنها لا تملك اتخاذ قرار المواجهة حتى لو امتلك القدرة. روسيا هي الرجل المريض للقرن الواحد والعشرين وسيحين ربما ليس قريبا لكن على أي حال سيأتي ذلك اليوم وتقسم كما قسمت الدولة العثمانية والتي حافظت على لقب الرجل المريض لمئة عام قبل حدوث ما حدث لها.
روسيا دولة ذات اقتصاد بدائي نفطي حيث تشكل عائدات النفط والغاز حوالي 70 في المئة من عائداتها أما بالنسبة لصناعة الأسلحة فقد صدرت في عام 2013 ما قيمته ثلاثة عشر مليار دولار وهذا الرقم لا يمثل أكثر من أرباح ربعية لشركة أمريكية عملاقة، تدفع الولايات المتحدة فاتورة كبيرة من ناحية الإنفاق العسكري لتظل القوة الأكبر في العالم تصل إلى تريليون دولار سنويا ولكن تعود عليها تلك الهيمنة بمنافع إقتصادية كبيرة فتتصدر دول العالم بحجم اقتصاد يزيد عن ربع الناتج العالمي، في حين يكلف تدخل روسيا في جوارها واقتطاعها لدول فاشلة أعباء إقتصادية كبيرة على حساب شعبها الذي يرزح أكثر من 60 في المئة منه تحت خط الفقر، وتبقى روسيا – التي ينخرها الفساد – في النهاية رهينة أسعار النفط التي أتت على الاتحاد السوفييتي نفسه.
التدخل الروسي في سوريا لم يغير الكثير على الأرض حيث سارعت الدول الداعمة للثوار إلى مدهم بسلاح مناسب لمواجهة الاحتلال الروسي وطبعا بضوء أخضر أمريكي، ليبرز سؤال أين كان هذا السلاح قبل تدخل روسيا، لتبقى الحرب على سجالها ويبقى الوضع على ما هو عليه باستثناء الخسائر في أرواح السوريين والتي لا تقلق أحدا، في وقت لا تزال تلك الدول تحتفظ بعلاقاتها الاقتصادية مع روسيا رغم صدامها معها على الأرض السورية؛ حالة انفصام الشخصية هذه لا تقتصر على تركيا فقط التي تنأى بعلاقاتها الاقتصادية عن أي شيء آخر لا بل يمتد إلى دول الخليج التي لا تزال ترسل الوفود إلى موسكو وتخطب ودها الذي لما تجد به بعد وبذلك يكون التحالف مع الولايات المتحدة الحل الذي لا بديل عنه، وهذا ما يجعل الولايات المتحدة تتعامل مع حلفائها بمنطق التبعية فلا تحفظ ودا لأحد منهم مهما اسدى لها من خدمات وهو ما ظهر واضحا في تعاملها مع ملف إيران النووي في ظل ما تقترفه في المنطقة من جرائم لكن في النهاية هذا ما تريده الولايات المتحدة فهو ما يعود بالنفع عليها وعلى استمرار نفوذها.
الدول الغربية وروسيا تريد بقاء الوضع على ما هو عليه في سوريا أطول فترة ممكنه؛ فالخوف الروسي الأكبر هو من مد خطوط لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر سوريا مرورا بتركيا وهذا ما قد يحدث أيضا حتى لو قسمت سوريا واستأثرت روسيا بدويلة علوية في الساحل وبذلك ستتهدد مكانة الغاز الروسي في اوربا وتسقط أكبر الأوراق من يدها، أما الاوروبيون ومن أمامهم الأمريكيون فلا يجافي لياليهم النوم يقضونها يفكرون كيف ينقذون سوريا ويقيمون الديمقراطية فيها، بل على العكس سمحت الولايات المتحدة لنفسها بالظهور بمظهر الجبن بما يتعلق بالقضية السورية، ليطلق كثير من المحللين السياسيين العنان لخيالاتهم متنبئين بقرب أفول النجم الأمريكي من سماء العالم؛ لكن جبنها ذاك كان مقصودا فكل ما يجري في سوريا يخدم مصالح إسرائيل وهذا هو اكثر ما يهمها من القضية برمتها.
التدخل والاحتلال الإيراني وثم الروسي لسوريا وعبث عدد من الدول الأخرى وما يروج له من خرائط لمستقبلها تكاد لا تغيب عن وسائل الإعلام حتى أصبحت راسخة في عقول الكثيرين بانتظار الفصل القادم الذي لن تكون خرائطه مشابهة لهذه الخرائط فحدود سايكس بيكو ليست هي القائمة على الأرض حاليا بل جرى عليها الكثير من التعديلات، كما أن الخرائط المطروحة ليست قابلة للتطبيق على أرض الواقع فعمليا يستحيل إقامة دويلة درزية تتاخم اسرائيل تضم اضافة إلى السويداء كلا من درعا والقنيطرة لتعزل الدويلة السنية عن مواجهة إسرائيل، وكذلك الدويلة العلوية كيف لها ان تشمل دمشق وحمص اللتان تضمان حوالي ثلث سكان سوريا من السنة لتحافظ على استمرار التواصل مع المناطق الشيعية في لبنان وهذا ما تقاتل إيران من اجله، سيناريو التقسيم بشكل دوله الحالي غير قابل للتطبيق ولا يزال البديل الوحيد المتوفر عنه هو استمرار الحرب.
قبل تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان كانت دولة تنعم بالاستقرار وبالتأكيد كانت تحقق كل المصالح الأمريكية المطلوبة منها قبل أن يحتلها السوفييت ليعقبه تحالف الأمريكيين مع المجاهدين الأفغان، لكن بعد خروج السوفييت منها اختلف الحليفان حيث أرادت الولايات المتحدة عودة الملكية وهذا ما لم يقبل به المجاهدون مما دفعها لتطلق ايدي الجوار في افغانستان وتحولها لدولة فاشلة لا تهدأ الحرب فيها أبدا، وبما أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن يرضيهما سوى قيام نظام مشابه لنظام الأسد يحرس حدود إسرائيل ويسهر على أمنها ولما كان هذا بعيد المنال فللأسف يبقى السيناريو الأفغاني هو الأقرب للتطبيق في سوريا. ونظرا للارهاق الذي أصاب النظام السوري استدعت ضرورة افغنة سوريا اقحام روسيا لتصب المزيد من الزيت على نيرانها وتطيل عمر الصراع فيها ويبقى داعش الشماعة التي يعلق الجميع تدخله في سوريا عليها وصمام الأمان للقضية برمتها ذلك إن حدث أي شيء غير متوقع فتكون داعش جاهزة لإجهاض أي نجاح للثوار في تحرير بلدهم وإقامة الدولة التي يحلمون بها.

٭ كاتب سوري

بشار عمر الجوباسي

القدس العربي