الائتلاف الوطني السوري المعارض إلى أين؟

543140614ipj21

من يقرأ السجالات الدائرة بمناسبة انتخاب رئيس جديد للائتلاف المعارض، بين ميشيل كيلو وفايز سارة، يكوِّنُ فكرة عن الدرك الذي وصل إليه هذا الكيان السياسي في الوقت الذي تواجه فيه سوريا مخاطر غير مسبوقة. لعل خير تعبير عن حال المؤتلفين اليوم هو التنافس على تقاسم جلد الدب قبل اصطياده. بل الوضع أسوأ، بعد، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الدب المعني تم اقتسامه فعلاً بين الفاعلين الأقوياء، نظام دمشق الإيراني ودولة الخلافة، فلم يبق لجماعة الائتلاف غير العظام يتقاتلون عليها بضراوة.
ولكن ما هي المهمة التي تنطح لها الائتلاف وفشل في تحقيقها لكي يحق لنا انتقاده بهذه القسوة؟ فالمحاسبة العادلة تكون بمعيار مدى الإنجاز أو الإخفاق في تنفيذ الخطة الموضوعة أو المهمة الملتزم بها.
تأخرت المعارضة السورية في تشكيل «المجلس الوطني السوري» نحو سبعة أشهر، كانت الثورة السلمية، في غضونها، بدأت بالتسلح والتمدد في المناطق الريفية، من غير أن تفقد المظاهرات السلمية الكبيرة زخمها بعد. ببرنامجها «الديموقراطي المدني» كانت المعارضة متخلفة بخطوة واحدة عن الحراك الشعبي الثوري. على رغم هذا التفاوت، رحبت المظاهرات بقيام المجلس ومنحته تفويضاً كبيراً لن يتأخر في إهداره. فقد قام المجلس على افتراض مضمر مفاده أن «المجتمع الدولي» سيتدخل، بهذا الشكل أو ذاك، لوضع حد لشراسة النظام في مواجهة الثورة، ليس فقط مدفوعاً بدواعٍ إنسانية، بل كذلك لتقاطع مصالح بعض تلك الدول مع مصلحة الثورة في إسقاط النظام. الواقع أن الحراك الشعبي بدوره كان يراهن على التدخل المفترض، وأعطى تفويضه للمجلس الوطني ليحقق هذه المهمة. فقد اتضح منذ بداية الثورة أن النظام ليس بوارد الاستجابة للضغط الشعبي بالتنحي على مثال تونس ومصر، فكان النموذج الليبي في تشكيل المجلس الانتقالي لاستدراج الحسم من القوى الدولية القادرة على ذلك هو الرائز في تشكيل المجلس الوطني السوري وفي التفويض الشعبي الذي حصل عليه. وقد حاولت الدول العربية المنحازة ضد النظام إطلاق مسار مماثل للمسار الليبي، من خلال الجامعة العربية ومبادرتها، بصورة متوازية مع انطلاق المجلس الوطني.
لكن حسابات البيدر لم تطابق حسابات الحقل، فقد اصطدم المسار بالفيتو الروسي – الصيني منذ أول مشروع قرار يطرح في مجلس الأمن في مواجهة وحشية النظام. من مبادرة كوفي أنان إلى مؤتمر جنيف1 (حزيران/يونيو 2012)، اتضحت حدود التدخل الدولي المبنية على وجوب تفاهم أمريكي – روسي لتمرير حل سياسي للأزمة رفضه كل من النظام والمعارضة. كان الطرفان يراهنان على تغيير موازين القوى على الأرض لإرغام الخصم على القبول بنوع من الاستسلام. اندفعت بعض الدول المؤثرة في الصراع الداخلي السوري نحو الحسم العسكري، فحقق الجيش الحر أقوى انتصاراته في السيطرة على المعابر الحدودية مع تركيا ودخول عاصمتي الشمال والجنوب (تموز/يوليو 2012)، مترافقاً مع كلام تركي وفرنسي حول حظر جوي أو مناطق عازلة أو ممرات آمنة. كل ذلك اصطدم بالجدار الأمريكي الصلب المتسلح بدوره بالفيتو الروسي – الصيني في مجلس الأمن.
يمكن القول، إذن، إن المجلس الوطني فشل في تنفيذ المهمة التي أخذها على عاتقه، حتى لو كان ذلك بسبب غياب إرادة دولية لإسقاط النظام. فأداء الثورة وممثلها السياسي جزء من العوامل المؤثرة في الإرادة المذكورة سلباً أو إيجاباً، وإن لم يكن العامل الحاسم أو الأقوى. ربما هذا الأداء الركيك الذي لم يتجاوز حدود ردود الفعل على كل من الشارع الثائر والقوى الدولية المنخرطة، إضافة إلى التوافق الأمريكي – الروسي على الحل السلمي مخرجاً وحيداً، هو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تشكيل المعارضة في صيغة «الائتلاف» بديلاً عن المجلس الوطني الذي انتهى دوره موضوعياً بفشل الحل العسكري الذي كان قد بلغ ذروة ما يمكنه تقديمه حين تشكل الائتلاف في خريف العام 2012.
كان مؤتمر جنيف2 مناسبة كاشفة لتباين المهمات بين «المجلس» و»الائتلاف». فإذا كان الأول فشل في استدراج تدخل دولي لإسقاط النظام، تمثلت مهمة الثاني في التفاوض المستحيل مع النظام للتوافق على انتقال سلس للسلطة يبقي على بعضه. على رغم تفوق وفد الائتلاف الصريح في أدائه، على وفد النظام في مفاوضات جنيف2، فالنتيجة هي فشل الحل السلمي بعد العسكري، الأمر الذي يعني نهاية المهمة التي من أجلها تم تأسيس الائتلاف، وبضمنه «خميرته» المجلسية منتهية الصلاحية.
في غضون هذه التطورات الممتدة على أكثر من ثلاث سنوات، كان الرائز الوحيد لدى القوى والشخصيات المنضوية في المجلس ثم الائتلاف هو التنافس على سلطة واصلت تآكلها باطراد لمصلحة القوى الدولية من جهة، والفصائل المسلحة من جهة ثانية، مقابل استعادة النظام لشيء من قوته بفضل الانخراط المباشر لحلفائه في الصراع العسكري، من حزب الله والميليشيات العراقية والحرس الثوري الإيراني. بالمقابل، طغى اللون الإسلامي والإسلامي الجهادي على الفصائل المسلحة، وصولاً إلى سيطرة «دولة الإسلام» بقيادة الخليفة أبي بكر البغدادي على ما يعادل ثلث الأراضي السورية، وتوزع بقية المناطق الخارجة من سيطرة النظام على جبهة النصرة والفصائل السلفية الأخرى.
كل هذه التطورات لم تنجح في زحزحة جماعة «المجلس» عن خطابهم الخشبي وقناعتهم الراسخة بأحقيتهم في قيادة الثورة، ولا دفعت الإتلاف إلى مراجعة أدائه الركيك وغياب برنامج عمل ملائم لكل مرحلة.
تعدنا قيادة الائتلاف الجديدة اليوم بـ»التوجه إلى الداخل». لا نعرف ما هو المقصود بهذا الشعار الذي كان جديراً بالمرحلة المجلسية، ولم يعد ينطوي اليوم على أكثر من مزاودة جوفاء وغير مجدية في الوضع الراهن. إنه لأمر مفارق حقاً أن يسبق المبعوث العربي ـ الدولي الأخضر الإبراهيمي الائتلافَ إلى تقديم استقالته، فيما يتحدث الأخير عن «استراتيجية جديدة» لا تتضمن الإعلان عن فشل الحلين العسكري والسياسي لإسقاط النظام.

٭ كاتب سوري