الاعتقال التعسفي: منطق سياسي مستمر على اختلاف مناطق السيطرة ومنظمات دولية “غير مبالية”

المرصد السوري لحقوق الإنسان

بات الاعتقال السياسي في سورية ممارسة ممنهجة تعتمدها السلطة من جانب وقوى النفوذ الأخرى من جانب آخر لقمع الأصوات الحرّة، إذ بات النقد كابوسا يلازم كل صوت تواق إلى الحرية أو كاشف للظلم والوضع المزري الذي يعاني من ويلاته الشعب. وبرغم تراجع المعارك في مختلف المناطق، أو توقفها في أماكن أخرى، إلا أن حدة تكميم الأفواه لم تتراجع واستمرت عمليات الاعتقال للناشطين الإعلاميين والسياسيين وحالات الاختفاء القسري أمام مرأى المنظمات الحقوقية الدولية .

وتشنّ مختلف القوى المتحاربة في الداخل حملات ملاحقة أمنية لأشخاص محسوبين على جهة ما ولنشطاء سياسيين وإعلاميين ومدونيين، حيث انتقدت تقارير حقوقية استمرار تلك الظاهرة بطرق مجنونة لتحدّ بشكل رهيب من الحريات، حيث تتواصل سياسة القمع التي جاءت الثورة للقطع معها ولبناء الدولة الديمقراطية التي تجمع كل السوريين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم وهوياتهم وأعراقهم..الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون العادل وتحت سيطرة دستور ديمقراطي يقطع مع الشمولية والرأي والحكم الواحد.

وبالعودة إلى التقارير الإعلامية التي تتحدث عن تزايد عمليات الاعتقال في مختلف مناطق السيطرة على اختلاف القوى المسيطرة، فقد تم توثيق اعتقال آلاف الأشخاص لا يُعرف مصيرهم بعد، وهم إما في عداد القتلى أو ما زالوا في الأسر.

وطالما حذّر المرصد السوري لحقوق الإنسان من تزايد وتيرة قمع الحريات والاعتقالات وآخرها اعتقال مجموعة من الناشطين بتهمة التعامل مع جهات إعلامية ذات صلة بالنظام من قبل الاستخبارات التابعة للإدارة الذاتية في الرقة، حيث ندّد المرصد بشدّة بذلك داعيا إلى إطلاق سراحهم والقطع مع تلك السياسات التي من شأنها أن تعيد دولة الاستبداد.

ويرى المحامي والدستوري والسياسي السوري، إدوار حشوة، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ كل الأطراف تتبادل العنف وهذا الأسلوب المخابراتي كان السبب في سقوط الدولة وقيام الثورة، لافتا إلى أن ازدياد الاعتقالات يعتبر مؤشرا على التصعيد المقبل في منطقتي الشمال وإدلب على خلفية أن الأتراك والروس اتفقوا على طرد جماعة أوجلان، في إشارة إلى الإدارة الذاتية من الشمال السوري مقابل طرد جماعة “تحرير الشام” من إدلب.

واعتبر حشوة أن الدولة الديمقراطية التي تستند إلى دستور يحترم الحريات وينظّم الحقوق ويسعى إلى تحقيقها ولا يتم إلغاء الدستور بالأحكام العرفية، مشيرا إلى أن سورية محكومة بالأحكام العرفية مدة 67 عاما من عمر الاستقلال البالغ 85 عاما، متابعا: “معنى ذلك أنه لا يوجد في بلادنا دستور ولا قانون وهي محكومة عسكريا وأمنيا.. مشكلتنا ليست في عدم وجود دستور بل في إلغائه بالأحكام العرفية”.

ويقول العميد أحمد حمادة في حديث مع المرصد، إنّ سورية لم تعرف منذ سيطرة حزب البعث في عام 1963أي حرية سياسية أو نقابية أو إعلامية، وحين اعترضت النقابات على تجاوزات وجرائم النظام الذي يقوده بشار الأسد تم قمعها وزج قياداتها في المعتقلات والسجون.

واعتبر أحمد حمادة أن سياسة القمع ولجم الأفواه استمرت بل اشتدت في زمن الوريث بشار الأسد من ربيع دمشق وحتى اليوم، وقد شاهد العالم كيف تمت تصفية النشطاء الإعلاميين والسياسيين وإخفاؤهم وتغييبهم قسريا دون أن يعلم أهاليهم عن مكان وجودهم، برغم مرور أكثر من 10سنوات على بزوغ نور الثورة السورية.

وانتقد محدثنا هذه السياسة التي اعتبرها ممنهجة رافضة لأي رأي مخالف ومعارض.

وفي تقديره، فإن قوات سورية الديمقراطية هي نسخة من النظام، متّهما إياها بفرض سياستها في كل الأمور ، وهو أمر طبيعي أن تقوم تبعا لذلك بقمع الحريات والرأي الآخر، مذكّرا باعتقال بعض أعضاء المجلس العسكري الكردي منذ بداية الثورة، وحتى الآن لا يعرف مصيرهم.

وأضاف محدثنا: هناك حالة عدم استقرار، وغليان شعبي ضد سياسات “قسد” في المنطقة وضد فرض التجنيد الإجباري للأطفال، وتجنيد المعلمين، فضلا عن فرض مناهج دراسية توافق تطلعاتهم الإقصائية ، وفق تعبيره.

وأشار من جانب آخر إلى أن كل معارض لسياسة النظام وآلته القمعية البوليسية تنتهي باعتقالات وراء القضبان. واصفا إياهم بالشموليين.

بدوره، أوضح الناشط الإعلامي مهيب عبد المالك، في حديث مع المرصد السوري أن الاعتقالات أصبحت تجري في الفترة الأخيرة على نطاق واسع ويتم إحضار المعتقلين إلى السجون المكتظة والمراكز التابعة لأجهزة المخابرات ويتمّ تفتيش أجهزتهم النقّالة وحواسيبهم وفرض المراقبة المستمرة على عائلاتهم بعد اقتحام منازلهم وتحطيم محتوياته في خطوة انتقامية ، لافتا إلى أن العدد المتزايد للاعتقالات، وفق المنظمات الحقوقية السورية في الداخل والخارج، تدّل على أن النظام يتخذ اجراءات عنيفة ضد المدنيين العزّل والناشطين المعارضين، محذرا من خطورة تواصل تعويل هذا النظام والمعارضة المسلحة خاصة في مناطق سيطرتها على العنف بدلاً من السياسة والسعي إلى التسوية و إطلاق سراح المعتقلين خاصة معتقلي الرأي والصحافة.

ويعتبر عبد المالك أن من الطبيعي، وسط غياب الحل السياسي السلمي واستمرار الحّل العسكري والأمني للأطرف المتحاربة وعدم تطبيق القرارات الأممية خاصة في ما يتعلّق بقضية المعتقلين، أن تستمر عمليات ملاحقة السوريين واعتقالهم، من قبل النظام وكذلك الفصائل وحلفائها من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي انخرطت بدرجات متفاوتة في ممارسة عمليات الاعتقال والعنف والتعذيب والقتل، وما يسبقه من تحقيقات بطرق لا إنسانية وإجرامية.

أما المعارض السوري محمد العبيد ، فيذكّر، في حديث مع المرصد السوري، بأن كل العهود والمواثيق الدولية بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنصّ على صون كرامة الشعوب والأفراد وحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية، كما تعهد المجتمع الدولي بمنع وتجريم ومعاقبة كل من يحاول النيل من هذه الحقوق وتجاوزها، مشيرا إلى أن من أمن العقاب تجرأ أكثر على انتهاك حقوق الإنسان والحريات وتجاوز كل الأعراف والقوانين .

وأضاف:”في ظل تجاهل وتناسي وتخلي المجتمع الدولي عن التزاماته بالدفاع عن هذه الحقوق- ما اعتبره المجرمون حسب أجنداتهم ومصالح داعميهم ضوءً أخضرَ لهم بقمع حريات الناس واعتقالهم دون وجه حق- تزداد هذه الاعتقالات والاغتيالات بحق الناشطين السياسيين وأصحاب الرأي بالمجتمع سعيا إلى إسكاتهم وإخفاء الحقائق، ولتمرير غايات ومشاريع كل طرف، وهذا ما حصل منذ عشر سنوات في سورية ، بداية من مناطق النظام مرورا بمناطق قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وصولا إلى مناطق المعارضة، هذا إضافة إلى إرهاب التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود التي تعتمد القتل أساس وجودها وشريعتها ، وإزاء كل الجرائم والإعتداءات على حقوق الإنسان لا نجد تحركا جديا من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية تجاه لوقف هذه الانتهاكات واكتفت هذه المنظمات بالإدانة والاستنكار عبر تصريحات وتقارير حقوقية وإعلامية لا تجد مهتما ومفعّلا لها لتكون أداة ردع لمساعدة الشعب السوري والحفاظ على حقوقه وتدفع بالتالي باتجاه حل سياسي لإنقاذ ماتبقى من هذا الشعب وبلده “.

وخلص إلى القول: ” إن هذه الملفات الإنسانية أكّد عليها القرار 2254 ولكن للأسف تم تجاوز كل ذلك أمام صمت دولي مخجل ومعيب بحقوق الإنسان في سورية “.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد