الاعتقال التعسفي والمحاكمة بتهم مختلفة.. ضريبة التعبير عن الرأي عبر مواقع “التواصل الاجتماعي” في مناطق الشمال السوري

1٬445

لا تزال حرية التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من أكثر ما يقض مضاجع قيادات كل من هيئة تحرير الشام المسيطرة أجزاء واسعة من إدلب وريفها وريف حماة الغربي وريف حلب الغربي، والفصائل الموالية لتركيا ضمن مناطق “غصن الزيتون”، و”درع الفرات”، و”نبع السلام”، فهذه الحرية تعد سبباً بارزاً ومبرراً لدى تلك الفصائل لتنفيذ الاعتقالات التعسفية بحق المدنيين والنشطاء الإعلاميين على وجه الخصوص، لما لهذه المواقع من تأثير كبير على الشارع في المنطقة، حيث شهدت الفترات الماضية الكثير من حالات الاعتقال على يد هيئة تحرير الشام والفصائل الموالية لتركيا.

ومن أبرز ما يمنع الحديث عنه بحسب العديد من النشطاء والناشطات في مناطق الشمال السوري بشكل عام هو التطرق لفتح ملف فساد أحد القياديين البارزين أو حتى التعبير عن ظلم تعرض له أحد الأشخاص من قبل أحد القياديين، أو الحديث عن تقاعس الفصائل عن مواجهة قوات النظام والرد عليها عند قصفها للمناطق وارتكاب المجازر، أو التطرق لفساد كلاً من الحكومة السورية المؤقتة أو حكومة الإنقاذ، وغيرها العديد من المواضيع التي يمنع على المواطنين الخوض بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسبب وجود من يراقب تلك المواقع ويعطي المعلومات.

الناشط الصحفي (م.أ) من منطقة ريف حماة الغربي والمقيم في منطقة أرمناز بريف إدلب الشمالي يتحدث لنشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً: خلال أحداث العملية العسكرية التي شنتها قوات النظام بمساندة الطيران الحربي الروسي على مناطق ارياف إدلب وحماة وحلب، وسيطرتها في العام 2020 على أجزاء واسعة من تلك المناطق وما خلفته من حركة نزوح واسعة جداً، تعرضت للتوقيف خلال طريقي بسيارتي على حاجز عسكري تابع لهيئة تحرير الشام بالقرب من بلدة أرمناز بريف إدلب.

ويتابع حديثه قائلاً، السبب كان منشور لي على حسابي في “فيسبوك”، تحدثت فيه عن تخاذل الفصائل ومنها هيئة تحرير الشام عن التصدي للعملية العسكرية وترك العناصر دون ذخائر وسلاح على جبهات القتال، فاستوقفني الحاجز وقاموا بإنزالي والتحدث مع أحد القياديين بعد أن حدثت مشكلة كادت تصل للضرب بيني وبين أحد العناصر.

مضيفاً، بعد حديث طويل طلبوا مني العودة في اليوم التالي للقضاء وأخذوا مني البطاقة الصحفية وبطاقتي الشخصية، ولكن بعد عودتي للمنزل تواصل معي المسؤول عن الحاجز طالباً مني العودة في اليوم التالي لاستلام البطاقتين، بشرط حذف المنشور فقمت بحذفه وتوجهت في اليوم التالي واستلمت البطاقتين.

ويلفت الناشط الصحفي، بأنه لا مكان لحرية التعبير في مناطق هيئة تحرير الشام ومناطق الفصائل الموالية لتركيا، وهذا ما جعل الكثير من النشطاء الإعلاميين يفضل ترك عمله ومنهم من غادر إلى تركيا بعد أن ضاقت به هذه المناطق التي تكمم فيها الأفواه بقوة السلاح على غرار ما كان يفعله النظام سابقاً، وتحاول تلك الفصائل بكل ما أوتيت بأن توجه الإعلام وحتى مواقع التواصل الاجتماعي لقلب الحقائق وإظهار الإيجابيات فقط دون الحديث عن المساوئ والسلبيات.

والحديث عن فساد أحد المسؤولين في حكومة الإنقاذ أو الحكومة السورية المؤقتة، أو حتى انتقاد عمل أو مشروع معين قد يتسبب لصاحبه بالاعتقال الفوري بتهمة تجييش الشارع، وهذا ما حدث مع الشاب (ب.ح) من منطقة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي ويقطن في بلدة كفرتخاريم شمالي إدلب.

يقول للمرصد السوري لحقوق الإنسان: أعمل في مجال النشاط الإنساني وخلال فترة الزلزال الذي ضرب المنطقة في العام الفائت كتبت عدة منشورات عبر حسابي الشخصي في “فيسبوك” انتقدت فيها حكومة الإنقاذ لتساهلها في توفير الدعم الإغاثي اللازم للعائلات المشردة وعدم وجود معدات كافية لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض وتجاهل هيئة تحرير الشام.

ويضيف: تم اعتقالي على أحد الحواجز واحتجازي لعدة ساعات وتوجيه التهم لي بالتهجم على حكومة الإنقاذ والدفاع المدني وهيئة تحرير الشام عبر تلك المنشورات، ثم أعطوني استدعاء من قبل محكمة بلدة سلقين، ورغم عدم اعتقالي داخل السحن إلا أن القضية استمرت لنحو أسبوع وأنا أتابعها حتى انتهت بالتعهد بعدم تكرار نشر منشورات ضد هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ.

معرباً عن أسفه لما وصل إليه الحال في مناطق الشمال السوري من سطوة وتسلط هيئة تحرير الشام والفصائل على رقاب المدنيين بقوة السلاح والهيمنة الأمنية وقمع حرية التعبير عن الرأي كما كانت تفعل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.

ولم تكن مناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركيا بأفضل حالاً بل يؤكد الكثير بأنها الأسوأ بالنسبة لقمع حرية التعبير سواءً عبر المظاهرات الشعبية التي تخرج مطالبة برفع الظلم وتحسين الظروف المعيشية وتنديداً بارتفاع الأسعار، أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فلا تتوانى تلك الفصائل عن تنفيذ الاعتقالات حتى بالنسبة للسيدات كما حدث مع الناشطة الإعلامية (ر.س)، من ريف إدلب الجنوبي وتقيم في مدينة إعزاز ضمن منطقة “درع الفرات” بريف حلب الشمالي، التي تحدثت للمرصد السوري لحقوق الإنسان، قائلة: اعتقلت في العام 2022 على يد جهاز الشرطة العسكرية على خلفية انتقادي لسياسة فصائل “الجيش الوطني” والتدخل التركي في المنطقة وهيمنتها على جميع نواحي الحياة، وجرى توقيفي لساعات قبل اقتيادي لمقر الشرطة العسكرية في مدينة إعزاز بشكل تعسفي واحتجازي لمدة 24 ساعة داخل غرفة في السجن بتهمة التحريض ضد الفصائل.

وشهد العام الفائت 2023 العديد من حالات الاعتقال التعسفية على يد هيئة تحرير الشام وجهازها الأمني والفصائل الموالية لتركيا والشرطة التابعة لها، كان من بينها في 5 كانون الأول من العام الفائت، اعتقال عناصر حاجز تابع لـ “الشرطة العسكرية” ناشطاً إعلامياً، أثناء مروره على الحاجز في كفرجنة التابعة لناحية شران بريف عفرين، ضمن منطقة “غصن الزيتون”، وذلك بسبب منشوراته على تطبيق “فيس بوك” المناهضة لوزير الخارجية التركية، وفي 20 تشرين الثاني، اعتقل جهاز الأمن العام التابع “لهيئة تحرير الشام”، ناشطاً من داخل منزله في مدينة إدلب، على خلفية منشورات ناقدة للوضع المعيشي على ” الفيسبوك”، بالإضافة إلى اعتراضه على سياسة حكومة الإنقاذ في إدارة المنطقة، وفي 20 تشرين الأول أقدم عناصر الجهاز الأمن العام التابع لـ “هيئة تحرير الشام” على اعتقال شاب في مدينة أريحا بريف إدلب الجنوبي، بسبب انتقاده على صفحته الشخصية ” الفيس بوك” لأعمال “الهيئة” في مناطق سيطرتها، حيث جرى اقتياده إلى جهة مجهولة، ولا يزال مصيره مجهولاً، وفي 30 أيار، اقدمت الشرطة المدنية على اعتقال ناشط صحفي في مدينة جرابلس الخاضعة لسيطرة الفصائل الموالية لتركيا في ريف حلب الشرقي، وذلك على خلفية منشور ساخر له على صفحته الشخصية على الفيسبوك بخصوص الانتخابات التركية بعد فوز أردوغان بالانتخابات.

وما بين سطوة الفصائل وسعيها المتواصل لتعزيز سيطرتها بالقوة ضمن مناطق الشمال السوري، تبقى حرية التعبير هدفاً يسعى إليه الكثير من السوريين مواجهين قمعاً واعتقالات بتهم مختلفة الغرض منها إسكات الأصوات المعارضة وممارسة سياسة تكميم الأفواه.

ويندد المرصد السوري باتباع سياسة كم الأفواه وقمع حرية التعبير التي تنتهجها القوى العسكرية في سوريا على اختلاف جهات السيطرة، ويؤكد على حق الجميع في التعبير عن آراءهم بالوسائل والطرق السلمية دون تعرضهم للقمع والتضييق.