الانتهاكات لا تسقط بالتقادم.. المحاسبة والمحاكمة ضرورة

181

تحاكم فرنسا منذ أشهر في محاكمات غيابية أمام محكمة الجنايات في باريس مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى من النظام السوري من بينهم محافظ البنك المركزي المشتبه في تمويلها جرائم الإبادة، وبتهمة التواطؤ بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وغيره، وهي خطوة جيدة لاقت الاستحسان الكبير، والترحيب، لكن برغم أهميتها لم تنخرط فيها المعارضة اعتقادا منها أن مثل تلك المؤسسات وجب أن تظل على حيادية.

ويرى معارضون أن الآليات الدولية كالآلية الدولية المحايدة والمستقلة والمنظمات غير الحكومية،  برغم دورها ألا أنه لازال ضعيفا، إضافة  إلى الفجوات الموجودة في جهود المحاسبة.

ويذكر أنه برغم استمرار نضال الشعب السوري من أجل حريته، ألا أن القمع والانتهاك تضاعف خاصة مع ضعف خطوات المحاسبة.

وعلق القيادي في الائتلاف الوطني المعارض، محمد يحيى مكتبي، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن محاكمة المسؤولين السوريين التابعين لنظام بشار الأسد هو خطوة جيدة نحو العدالة ويُجسّد تضييق الخناق على دمشق وكل مجرم، إضافة الى أن المحاكمة هي رسالة واضحة للعالم مفادها أن العدالة الانتقالية لا تنفذ إلا بالمحاسبة ولا تسقط  الانتهاكات بالتقاضي.

وعن عدم انخراط المعارضة في مسار المحاكمة بباريس، أفاد بأن حيادية المؤسسات التي تعمل في هذه القضايا مهمة ” لعل هذا الأمر هو من جعل المعارضة لا تنخرط لكنها تؤيد بشكل قوي، وانخرطنا منذ سنوات في مسار التقاضي، ولدينا اللجنة القانونية في الائتلاف وتعمل على عدد من الملفات من بينها توثيق جرائم النظام والدفع باتجاه المحاسبة “.

واعتبر مكتبي أن المحاكمة ترمز إلى إثبات السجل الاجرامي الحافل للنظام والانتهاكات الخطيرة التي مست الشعب السوري منذ عقود، مشيرا الى أنه مهما توسعت الانتهاكات وهرب المجرم لن يتمكن من التهرب من المحاكم الدولية والإفلات من العقاب.

وشدد على أهمية الضغط من أجل مواصلة محاكمة مجرمو الحرب الذين تفننوا في تقتيل السوري والتنكيل به.

وأكد محدثنا أن دور المؤسسات الحقوقية السورية وغيرها بات واضحا لدعم ميارات التقاضي الدولية ومحاسبة من تلوثت  يداه بالدماء عبر التوثيق وتقديم الادلة المؤسسات الرسمية الدولية.

بدوره قال المحامي والحقوقي، حسين السيد إن جميع مسارات المحاسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السوري و حلفائه الروس والإيرانيين بحق الشعب السوري وفوق الأراضي السورية، لا بد أن تقام في دول أخرى، على اعتبار أن إجراء تحقيقات حقيقية في هذه الجرائم سيبقى أمراً مستحيلاً ما دام نظام الأسد لا زال موجودا في السلطة، “وباعتبار أن  روسيا والصين عطلت جهود إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، بالاستخدام التعسفي لحق النقض “الفيتو” مرات ومرات مع تأكيدهما على عدم إمكانية التراجع عن هذا الموقف ابدا، لذلك لا بد من تركيز جهود المحاسبة على دول خارجية، استطاعت تحقيق نتائج ملحوظة على صعيد السعي لإحقاق المحاسبة لبعض ضباط ومسؤولي النظام السوري ممن ارتكبوا تلك الجرائم باستخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية”.

 وتابع، ” هذا ما فعلته السلطات الفرنسية بعد رفع شكاوى جنائية أدّت إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق علي مملوك، وجميل حسن، وعبد السلام محمود وغيرهم، ممن وجهت إليهم تهم تواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب”.

ولفت إلى رفع شكاوى جنائية أيضاً في السويد وألمانيا بخصوص تنفيذ هجماتٍ باستخدام أسلحة كيميائية، ففي السويد مثلاً، تم رفع شكاوى جنائية إلى هيئة جرائم الحرب السويدية في أبريل/ 2021، وتضمنت الشكوى معلومات عن تحقيقاتٍ تفصيلية في الهجمات التي نُفذّت باستخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة في محافظة ريف دمشق بتاريخ 21/ أغسطس/ 2013، وفي مدينة خان شيخون في محافظة إدلب بتاريخ 4/ أبريل/ 2017، وتقول الشكوى  وفق محدثنا إنّ هذه الهجمات التي نُفذّت باستخدام أسلحة كيميائية تمثّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. بتاريخ 14/ أكتوبر/ 2023، فيما أصدر قاضي تحقيق فرنسي مذكّرات اعتقال بحقّ رئيس النظام السوري بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، ومسؤولين رفيعين آخرين في النظام السوري بخصوص دورهما المزعوم في استخدام أسلحة كيميائية في الهجمات على الغوطة الشرقية التي حدثت عام 2013.

وأفاد بأن الملفت للانتباه أن هذه المحاكمات والمساءلة لعبت  الدور الأبرز والأساسي في تحريكها الجهات الفاعلة في المجتمع المدني السوري من منظمات حقوقية كثفت نشاطها وعلاقاتها داخل المجتمع الدولي بالعموم والأوروبي على وجه الخصوص،  في حين لم يكن هناك أي دور ملحوظ لمؤسسات المعارضة الرسمية للمساهمة في هذا الجانب نظرا لحالة العطالة والارتهان التي تعيشها تلك المؤسسات من قبل جهات متعددة، باستثناء جهود فردية قدمها رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف في سنوات تأسيسه الأولى ولم يكن لها دعم حقيقي حتى من أعضاء الائتلاف نفسه للأسباب سابقة الذكر.

وأكد أن محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الفظيعة ضد السوريين وإن كانت على الصعيد العملي لا تحمل ضغطاً ماديا كبيرا على أولئك القتلة كونهم داخل سورية، إلا أن رمزيتها ودلالاتها في غاية الأهمية على سوريا ومستقبلها وعدم إمكانية التفريط بمحاسبة المجرمين مستقبلا داخلها بعد رحيل نظام الأسد، وكذلك لا يجب إهمال أن هذه الجرائم تدل على وجود جرائم جماعية كان وراءها  توجيه التهم رسمياً من الرتب والمسؤولين الأعلى إلى مرتكبيها، ” فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، كلها تنطوي على عنصر جماعي، كهجوم ممنهج وواسع النطاق على المدنيين والسكان داخل مدنهم وقراههم وتدميرها وقصفها بالأسلحة الثقيلة والمحرمة لتدميرها كليا أو جزئيا وهذا ما حصل في المدن والبلدات السورية مرارا وتكرارا طيلة السنوات السابقة…”.

واعتبر أنه ومن الأشياء المهمة في هذه المحاكمات أنها جعلت الحصانة التي كان يتمترس وراءها النظام السوري مرتكب تلك الجرائم طيلة خمسة عقود في سوريا لم تعد مطلقة، بل إن جدار الحصانة بدأ يتهاوى كونه لا زال على ذات النهج.

ولذلك فمن المهم جداً أن تستمر الجهود الحالية في محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الإنتهاكات في سورية مستقبلا، وهذا يتطلّب تأمين موارد حقيقية لمنظمات المجتمع المدني في هذه الجهود ودعم التحقيقات والتوثيقات التي تقوم بها المنظّمات السورية ورعاية حقوق الضحايا والناجين والناجيات في هذه العمليات وتأمين حمايتهم بعد الادلاء بشهاداتهم أو تقديم الادعاء الشخصي بأسمائهم..

وخلص السيد إلى القول ” ومن المهم الإشارة إليه هو دعم قيادة سياسية وطنية شاملة ومعتبرة جديدة تكون معبرة عن آمال وطموحات السوريين جميعا بعيدا عن نظام الإجرام والتوحش الأسدي وهياكل المعارضة  الحالية التي انتهت صلاحيتها منذ سنوات”.

ويرى  المعارض الكردي شمس الدين أبو هاوار، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان ، أنه برغم تعرض ثورة السوريين للغدر والتآمر والإختراق، ورغم تمكن النظام بمساعدة داعميه الإقليميين تركيا وقطر وتنظيم الإخوان المسلمين من تحقيق الانتصارات على الشعب السوري وتشتيت الثوار بين شهيد ومعتقل أو مهجر و لاجئ  واستحواذ تركيا عبر مرتزقتها على مؤسسات الثورة وضربها إلا أن جذوة الثورة في نفوس السوريين لم تمت والقضية السورية باقية ومستمرة وحقوق الضحايا لن تموت لا بالتقادم ولا تحت أي ظرف كان.

 وعن غياب دور المعارضة  في سياق المحاكمات الجارية بحق نظام بشار الأسد وازلامه أمام محكمة لاهاي والمحاكم الفرنسية ومحاكم أوروبية أخرى، رد” يقودنا إلى السؤال عن ماهية المعارضة؟. في الحقيقة هناك خلط لدى الناس (بمن فيهم إعلاميون ومثقفون) ، بين الشعب السوري المعارض للنظام وبين المؤسسات التي نصبت نفسها زوراً على أنها معارضة تمثل الشعب السوري (الإئتلاف مثالاً) هذا الائتلاف بحكومته المؤقتة وفصائله العسكرية وبقية هياكله ليس أكثر من أداة تركية تعمل تركيا على استثمارها في خدمة أهدافها التوسعية على حساب سوريا الوطن ودماء السوريين. فالمعارضة الإئتلافية لا تعنيها قضايا السوريين لتهتم بمحاكمة رموز النظام المجرم!!!!!!

هناك معارضون حقيقيون لا يزالون مستمرين في ملاحقة النظام المجرم ويعملون على القصاص من مجرميه وأدواته وتحقيق العدالة بكل الوسائل المتاحة٫ كما أنه رغم التواطؤ الدولي الواسع مع النظام وتخاذل المجتمع الدولي في مناصرة الشعب السوري إلا أنه لا تزال هناك قوى أممية وازنة تتضامن مع الشعب السوري ومظلوميته,  وما المحاكم التي تباشر ملاحقة ومحاكمة رموز النظام إلا تعبيراً عن حيوية السوريين الناشطين من أجل العدالة وفعالية تلك القوى الأممية الداعمة لحق الشعب السوري في تقرير مصيره”. 

وأردف” إذا كان الشعب السوري قد خسر جولة  في مواجهة النظام فإن معركته مستمرة ولن تتوقف إلا بإلحاق الهزيمة التامة بالإستبداد وإقامة نظام حكم ديمقراطي يعيد الإعتبار للإنسان السوري ويصون كرامته والعمل في المحافل الدولية ورفع الدعاوي على النظام ورموزه أمام المحاكم الدولية المختلفة هو أحد الخيارات من بين العديد من الخيارات المتاحة التي يمكن أن يلجأ إليها السوريون”.

وقال حدثتنا إن الشعب السوري لا يزال مستمراً في نضاله ما بقي حياً، ولن يعدم الوسيلة والإرادة في إعادة إنتاج ثورته بطرق واشكال عديدة ومختلفة.