البيولوجيا والأيديولوجيا… والمحمية التي كان اسمها «سورية»

علمُ الأحياء غير علم الأفكار والعقائد، فالوظائف الحيوية، وهي مدار كل يوم من حياة الكائن، أحطُّ من أن تكون في مقام مقدسات مجردة تنفر مما هو ملموس ومتطلّب. الأخيرة، أي العقائد، تقتضي الشمول والتنزيه، وإذ ترى وترشد تطلب من أتباعها أن يغلقوا عيونهم ويفتحوا أفواههم على الهواء وحسب، فيما الأولى على رغم كونها أساس الحياة العضوي، محل وضاعةٍ توصم بالخطأ والعطل والمرض. وإذا كانت البيولوجيا عشباً رامزاً فإن نقيضها «جلمود صخر حطّه السيل من علِ».

الأيديولوجيا تحلّق بهمّة أشباحها بلا مواطنيها الجدد، فيما البيولوجيا هوامٌ تزحف وتقتات على أديم الأرض. الجوف والأعضاء والأطراف منبوذةٌ ومقصيةٌ، فيما العقل الكلي محل السمو والجلال والاعتبار. يصير الحيُّ السفلي في خدمة الميت المتعالي، والمتحرك رهن إشارة الجامد، هكذا تكون البدايات الخاطئة صحيحةً، فهي ترفع على المقصلة راية الحكمة!

على نحوٍ وعرٍ لم يعد الكذب نقيض الحقيقة بعدما غدا جزءاً منها. هذا ما تقوله البيولوجيا وتنكره الأيديولوجيا، وهذا ما صار طيَّ الواقع الذي ترفض الأحلام الإقرار بصنيعه. فالمريض، الحالم بسبب مرضه، يدعي الصحة في حين أن عافيته المزيفة تُعدي أصحاء مفترضين يصدقون ما يقال لهم. لكن عندما يخلو المرء إلى نفسه، إلى حربه الحقيقية الوحيدة، لا يشم غير رائحة العفن، فيما البخور يصلح لتوديع الجثث، لا إنشاد الصلوات.

يخسر البعد الديني لأي حادث عمقه الروحي الذي تشيَّأ منذ أن غدا الدين ألعوبة مهرجين بلا قلب، فيما المهرجون الماكرون يهيئون ألعاباً جديدة تبهر العقول. حينذاك تتحول العقول الكسيحة ببلاهة معدية إلى حيز لحفلات إيمان يجمد ما تبقى من ضميرٍ تحت الجلود. يسبق العضوي الملموس كل حقيقة مجردة، بل هو الصانع الخفي لكل حقيقة، لكن أدعياء النصر الزرائبيّ يزينون الجثث بملامح ملائكة محنطين.

لقد بلغ الخزي مداه، وما عادت الإهانة كافية لتوجز الذعر والقنوط، ومن لا تحبطه أمراض الحقيقة لن يشفى بزيت إيمان دعيٍّ. لربما المرضى الآن هم حراس الحقيقة وسدنة الرجاء إلى مصير لائق بـــ «المسالخ البشرية» و «المحارق الأوشفيتيزية».

نفد الماء، نفد الهواء، نفد التراب، نفدت الصرخات والاستغاثات، ولم تنفد كلمات القتل. غداً يأتي الشعراء بمصابيح الأمل، غداً باحثين منقبين بين الركام الأخضر حيث تزهر الزهور البيضاء السامَّة كلها، حيث يحظى كل واحد بكنز الشر الدفين في عيون خجلت من نظرات قاتليها.

يكفي اليوم أن الأمم المتحدة تحتفل بالتنوع الثقافي والغنى البيولوجي. هذا يعني أنها تمضي في الطريق الصحيح نحو المقبرة – المحرقة، هذه المحمية الدولية التي كان اسمها «سوريّة». فالتنوع الثقافي جذر الغنى البيولوجي، وها هي الأيديولوجيا – الأمم المتحدة تعترف بخطئها، وتمضي إلى إصلاح مستحيل.

علي جازو

المصدر: الحياة