التدخل الخارجي يؤجل الحلول في الشرق الأوسط

ربما لم تشهد منطقة الشرق الأوسط توترا بين حكوماتها وتعقيدا في علاقات الدول الكبرى بها كما هو الحال عليه هذه الأيام. ويوما بعد آخر يزداد مستقبل المنطقة غموضا ومعه فرص المواجهة العسكرية بين دوله.
على مدى العقد الاخير تصاعد هذا التوتر بتداعيات ظاهرة الإرهاب التي بدأت في العراق ثم انتشرت في سوريا ووصلت إلى العديد من الدول مثل مصر وليبيا ونيجيريا. كانت تلك الظاهرة قد بدأت بانتشار تنظيم «القاعدة» التي كانت تستهدف اساسا الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة. ولكن الدوائر الاستخبارية استطاعت حرف مسارها عن الغرب وتوجيهها لمنطقة الشرق الاوسط. وفي الشهور الأخيرة انتعشت الآمال بأن يكون الصراع محصورا باستهداف ظاهرة الإرهاب التي تمثلها تنظيمات توسعت كثيرا مثل داعش، ولكن تلك الآمال تراجعت في الأسابيع الأخيرة بعد ان اتجهت قضايا المنطقة نحو تدويل خطير.
وبدلا من اهتمام المجموعة الدولية بإطفاء نيران التوتر والحرب والإرهاب في بؤر الصراع الساخنة مثل سوريا وليبيا واليمن، تحولت هذه البؤر إلى محاور لصراع دولي بمشاركة الدول الكبرى. وهناك جانبان لهذا التطور: أحدهما يبدو إيجابيا والآخر يؤكد ان مستقبل المنطقة لا يبشر بخير لأنها قد تكون منطلقا لحرب عالمية. الجانب الإيجابي وجود ما يشبه التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا وبعض دول المنطقة على التصدي الحازم لظاهرة الإرهاب (التي تلازمها ظواهر التطرف والتكفير والطائفية). وحتى هذه اللحظة يؤكد الجانبان ان تدخلهما انما هو للقضاء على المجموعات الإرهابية وفي مقدمتها «الدولة الاسلامية».
هذا ما تقوله الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاقليمية التي تشترك معهما في العمل العسكري. ولكن الجانب الاقل إشراقا يتأسس على خلافات استراتيجية تجد مصاديقها في دول المنطقة، واختلافات بين الدول الكبرى حول تحديد المجموعات الإرهابية المستهدفة بهذا التدخل. فامريكا تستهدف داعش فحسب، وليس المجموعات المسلحة الاخرى. بل انها تدعم مجموعات مسلحة تحارب النظام السوري بأساليب مشابهة. اما روسيا فترى ان الحرب على الإرهاب يجب ان تستهدف المجموعات كافة، بما فيها المدعومة من قبل أمريكا. فأمريكا تقول انها تحارب المجموعات الإرهابية والنظام السوري معا. بينما يرى الروس ان الأولوية يجب ان تكون لمحاربة المجموعات المسلحة كافة التي يصنفونها جميعا في دائرة الإرهاب. ورفض وزير الخارجية الروسي التمييز بين المجموعات التي تحارب النظام السوري قائلا: اذا كان (الشخص) يبدو كارهابي، ويتصرف كارهابي، ويتكلم كارهابي، فانه ارهابي». وهذا يفتح مجالا واسعا للتكهن بأهداف الاطراف المشاركة في الضربات الجوية التي تتواصل ضد المجموعات المسلحة، وما اذا كانت تنحصر باستهداف الإرهاب فحسب أم أن لها أبعادا متشعبة ترتبط بالمصالح الاستراتيجية لتلك الاطراف.
المشهد السياسي في المنطقة يزداد غموضا كلما نشب صراع جديد، او توسع صراع قائم. فالحرب في اليمن زادت المشهد تعقيدا، واصبح يقترب من المشهد السوري في طابعه السياسي والعسكري والأطراف المشاركة فيه. صحيح ان روسيا وامريكا لم تتدخلا بعد في حرب اليمن، ولكن بريطانيا تدخلت عمليا حسب ما اعترف به وزير الدولة لشؤون الدفاع في جواب على سؤال قدمه احد اعضاء مجلس اللوردات. فقد اعترف الوزير قبل شهرين في جوابه بأن حكومته تقدم للسعودية صواريخ موجهة ومعلومات استخباراتية وخبراء في الادارة والتحكم. وتبدو الخريطة السياسية في الشرق الاوسط رهينة لصراع حاد بين السعودية وايران، هذا الصراع يتجسد على الأرض في تصارع الجهات المختلفة في البلدان العربية المشرقية الكبيرة: العراق وسوريا واليمن. فلكل منهما حلفاء في هذه البلدان، دخلوا في صراعات مسلحة لا تبدو في الأفق نهاية لها. واذا كانت السعودية قد شنت حربا في اليمن ضد من تعتبرهم «حلفاء ايران» فان الجمهورية الاسلامية تسعى لعدم التدخل العسكري المباشر في تلك الصراعات، وتأمل ان يكون دعمها حلفاءها كافيا. ومع ذلك تقول التقارير إن إيران بعثت قوات عسكرية لسوريا مؤخرا، تزامنا مع الضربات الجوية الروسية. جاء ذلك بعد تصاعد حدة الصراع الاعلامي  مع السعودية في ضوء حادثة الحجاج في منى التي راح ضحيتها قرابة الـ500 من الحجاج الايرانيين. ايران تعلم انها لا تواجه السعودية فحسب، بل بقية دول مجلس التعاون على اختلاف في مواقف دوله. فسلطنة عمان نأت بنفسها عن السياسة السعودية في اليمن وسوريا، وكان لها دور مهم في تهيئة الارضية للتواصل بين امريكا وايران، وكذلك في مفاوضات الملف النووي، بينما البحرين تعتبر الأكثر ارتباطا بالسعودية خصوصا في سياساتها الخارجية. وفي الاسبوع الماضي اقدمت حكومتها على خطوة غير مدروسة بسحب سفيرها من طهران، وطرد القائم بالاعمال الايراني من المنامة. هذه مؤشرات غير سارة للمنطقة التي تعاني من انعدام الثقة بين الاطراف الفاعلة فيها. الامر المؤكد ان أغلب دول الخليج الأخرى لن تتخذ اجراءات مماثلة في المستقبل المنظور. هذه التطورات تنذر بخروج الازمة السياسية عن الحدود الحالية لتتحول إلى صراع اعمق قد يؤدي إلى حروب محدودة او شاملة. ولا بد من الاشارة إلى ان الإرهاب كان المشكلة التي دفعت القوات الغربية للتدخل العسكري في سوريا والعراق. والخلاف القائم حاليا بين الفرقاء يتصل بعدم الاتفاق على امور عديدة: اولها الموقف ازاء سوريا، فالسعودية وبعض حلفائها الخليجيين يرفضون بقاء  بشار الاسد في منصبه، بينما الغربيون مثل امريكا وبريطانيا اصبحوا مقتنعين بضرورة بقائه على  الاقل في المرحلة الانتقالية. اما روسيا فترى في سوريا آخر الحلفاء في العالم العربي، وترفض التفريط به. ثانيها: الموقف من الإرهاب، فبينما يرى الغربيون ان التصدي للارهاب والنظام السوري متساويان في الاهمية والاولوية، ترى روسيا ان التصدي للارهاب لن يتحقق الا بوجود الدولة السورية الحالية، لكي لا تتكرر تجربة ليبيا. ثالثها: ان أمريكا وبريطانيا لم تظهرا جدية حقيقية منذ إعلان تدخلهما في مواجهة المجموعات التي تعتبرانها إرهابية خصوصا داعش، بينما ترى روسيا ان الغرب يستغل التناقضات الاقليمية لاهداف سياسية واقتصادية، ولا يقوم الا بالحد الأدنى من التدخل الذي لا يحسم الازمة. رابعها: بينما تواصل بريطانيا وأمريكا سياسة المراقبة والانتظار ازاء ما يجري في اليمن، ترى روسيا أن شعار التصدي للإرهاب لا يجد مصاديق له هناك، بل ان تنظيم «القاعدة» تمدد بشكل ملفت للنظر وأصبح مسيطرا على حضرموت بشكل يكاد يكون كاملا. روسيا تعتبر ذلك ازدواجية في المعايير والمواقف لا يؤدي لكسر شوكة الإرهاب.
إلى اين تتجه الأمور في المنطقة؟ الأمر الواضح أن حروبا بالوكالة اصبحت تخاض في بلدان عربية عديدة: سوريا والعراق واليمن وليبيا، وان الإرهاب تتوسع دائرته وتحقق لأصحابه تمددا جغرافيا واسعا. كما هو واضح ايضا عمق الصراع على النفوذ بين القوى الاقليمية ذات المصالح المتفاوتة. ويوما بعد آخر تتبلور ملامح تحالفات جديدة تفتح الأبواب أمام الدول الكبرى مثل روسيا. فالعراق أعلن انه لا يمانع في ان يكون لروسيا دور في التصدي لداعش، بعدما رأى جدية موسكو في التصدي للمجموعات المسلحة في سوريا. هذا يعني ان روسيا ستنافس امريكا في العراق، الأمر الذي يزعج واشنطن كثيرا. ولكن ما العمل في ظل الأوضاع الراهنة التي استشرى فيها الإرهاب على نطاق واسع وتلاشت فيها الرغبة للتصدي له؟ المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في المعركة الايديولوجية التي تدور رحاها في مسارح عمليات اليمن وسوريا والعراق وافغانستان. وهي معركة لن يسلم احد من انعكاساتها، ولكنها ضرورة لغربلة المواقف وتشذيب السياسات. وسيظل الوجود الأمريكي والروسي مصدر قلق ولكنه لن يكون حاسما في المستقبل المنظور على الأقل بل عامل تعقيد يجعل قضايا المنطقة مستعصية على الحلول.

❊٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

القدس العربي