التسرب المدرسي وتدهور التعليم في حمص.. مدارس مدمرة وظروف اقتصادية أجبرت الأطفال على ترك مقاعدهم الدراسية

مع صبيحة كل يوم تكتظّ الشوارع الداخلية ضمن المنطقة الصناعية بمدينة حمص بعشرات الأطفال المتجهين إلى عملهم حاملين معهم بعض الأكياس التي تحتوي على الطعام المخصص لاستراحة الغداء داخل ورشات الإصلاح والمعامل التي غطى دخانها سماء المنطقة.
وعلى مقربة من مدخل الصناعة الشرقي بحمص، يتوافد العشرات أيضاً لطلاب المرحلة الإعدادية الذين يتوجهون إلى مدرسة ابن رشد لمتابعة تحصيلهم العلمي في صورة توضّح مدى الشرخ الكبير الذي حلّ بشرائح المجتمع السوري خلال العشرة أعوام الماضية ما بين مضّطر لمساعدة عائلته بعد فقدانها لمعيل الأسرة، وبين من لا يزال يملك من يقدم له مصاريف ومستلزمات إكمال رحلته التعليمية.
بجسم هزيل ووجه اعتلاه الزيت المعدني قال الطفل محمد ذو الأربعة عاشر عاماً أنه اضطر لترك مقعده الدراسي للعمل ومساعدة أسرته بما تيسر له من “الجمعية” وهي مرتب مالي يحصل عليه مقابل العمل لدى أحد مالكي ورشات تصليح السيارات والذي لا يتجاوز الـ 20 ألف ليرة سورية ما يعادل أربعة دولارات.
وباعتبار أن الأطفال يتأثرون بكلام آبائهم نقل محمد وجهة نظر أبيه من خلال القول: بأن المدرسة لا تطعم خبزاً، وأنه من الأفضل أن يتعلم مهنة تجعل منه في قادم الأيام صاحب ورشة تدر عليه الكثير من الأموال بحسب وصف والده.
من جهته تحدث أبو أمجد صاحب معمل إنتاج المشروبات الغازية داخل الصناعة عن تواجد أحد عشر طفلاً داخل معمله وهو يعتمد على تنمية خبراتهم بالتعامل مع مراحل الإنتاج التي لا تحتاج لبذل جهد كبير، مؤكداً أن تواجد الأطفال يغنيه عن استقدام فئة الشباب الذين يطالبون بأجور مرتفعة قياساً على ما يتم دفعه للعمال المتواجدين لديه من “الأطفال”.
وتحدث أحد الأطفال العاملين ضمن المعمل بأن مالكه يقوم بإخراجهم من معمله في حال تم إبلاغه من قبل باقي أصحاب المعامل بقدوم لجنة من مديرية التأمينات الاجتماعية والعمل والتي تمنع تشغيل الأطفال دون سن الثامنة عشر ضمن المعامل المرخصة تحت طائلة الملاحقة والمحاسبة القانونية، الأمر الذي يتيح له الفرصة بالتهرب من أي مسؤولية في حال تعرض أحدهم لإصابة عمل.
يتجه أحمد وشقيقه الأصغر عمار صبيحة كل يوم إلى منزل جارهم الذي يقوم باصطحابهما إلى معمل البلاط في منطقة الهلالية من أجل مساعدته على تحضير ما يلزم من تكسير البحص وتجهيز البودرة ليبدأ العمل على تصنيع البلاط المنزلي بالتزامن مع قيام الشقيقين بنقل ما يجهز إلى الخارج، وعلى الرغم من ضعف أجسادهم إلا أن عملهم المتواصل لمدة ثلاثة أعوام مضت أكسبتهم الخبرة على التعامل مع ما يتم إنتاجه من قبل “المعلم” الذي يقوم بمنحهم أجرة يومية تعادل ثلث الإنتاج وذلك بشرط مسبق فيما بينهما.
يقول أحمد أن هذه المهنة صعبة للغاية وهي التي تسبب بمرض والده الذي أصيب بـ “الديسك” وبات عاجزاً عن إكمال عمله أو القيام بأي عمل يتطلب مجهوداً عضلياً، مضيفاً بأن العمل في مجالات أخرى أسهل نسبياً لا تمكنهم من تأمين مستلزمات المنزل وهو ما دفعه مع شقيقه لترك الدراسة قبل ثلاثة أعوام وقرروا البدء بالعمل.
من جهته قال مهندس البتروكيمياء أبو علي أحد أبناء مدينة حمص والذي انهى دراسته مؤخراً بعدم جدوى الدراسة في سوريا لافتاً إلى أنه أفنى عمره خلف الكتب وضمن المقاعد الدراسية، وعلى الرغم من تمكنه العام الفائت من الحصول على الشهادة الجامعية إلا أنه لا يمكنه الحصول على وظيفة أو حتى السفر بطريقة شرعية خارج البلاد نظراً لانتهاء تأجيله الدراسي عن أداء خدمة العلم.
وجزم بشير بعدم رغبته بالالتحاق بالخدمة العسكرية ليس من باب معارضته أو موالاته للنظام السوري وإنما بسبب التسعة أعوام التي تنتظره في حال أقدم على قرار الالتحاق في صفوف قوات النظام السوري ما يعني فقدان معظم سنوات شبابه بين الدراسة والخدمة العسكرية.
وأعلنت منظمة اليونيسيف في بيانها المشترك بمناسبة اليوم الدولي للتعليم عن وجود أكثر من 2.4 مليون طفل سوري خارج المقاعد الدراسية من بينهم نحو 40% من الفتيات، ولفت البيان إلى أن واحدة من بين ثلاثة مداس داخل سوريا صالحة للاستخدام إما بسبب تعرضها للقصف أو بسبب استعمالها لأغراض عسكرية، بينما يضطر الأطفال الراغبين بالتعلم من المكوث ضمن شعب صفية مكتظة تفتقر مداريها لأدنى الخدمات (الصرف الصحي –المرافق -الكهرباء -التدفئة والتهوية)
ورصدت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان في حمص دمار عشرات المدارس الابتدائية والاعدادية على حدّ سواء جراء تعرضها للقصف الممنهج من قبل قوات النظام السوري إبان سيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة على المناطق التي خرجت عن سيطرتها.
وعلى الرغم من نجاح قوات النظام السوري من فرض هيمنته على كامل محافظة حمص وريفها لمساعدة الميليشيات المدعومة من قبل إيران، إلا أن المدارس المدمرة ما تزال شاهدة على الانتهاكات التي حلت بالقطاع التعليمي من قبل كافة الأطراف المتصارعة والتي ساهمت بدورها بحرمان الأطفال من التمتع بالتعليم في ظل الظروف الراهنة التي يعاني منها سكان الداخل السوري.