التضخم في سوريا سلاح غير فتاك

الارتفاع المفرط في معدّل التضخم والانهيارات السريعة في سعر الصرف، تشكل، عموماً، وفي ظروف عادية، سبباً للتوتر الاجتماعي والسياسي، ومقدّمة للتغيير في السلطة. فهل تنطبق هذه القاعدة على الحالة السورية بعد التطوّرات النقدية بالغة الخطورة التي تسارعت في الأسابيع الأخيرة؟ 
هذا ما تأمله، على الأرجح، العواصم الغربية المهتمّة بالشأن السوري، حيث يكرّر المسؤولون فيها أن الحرب السورية لا تحسم بالمعارك العسكرية فقط، بل إن العقوبات الاقتصادية ضد النظام السوري ستؤتي ثمارها، وتدفع النظام للتفاوض على نقل السلطة. تتردّد دول الغرب في تزويد المعارضة بما تسمّيه السلاح الفتاك، وتتمنى أن يغنيها الحصار الاقتصادي عن هذا الخيار، وعن التورط في المستنقع السوري، ولكن هذه التصوّرات تعاني من عوارض «الاستشراق»، بسبب قدرة النظام السوري على احتمال حصار الغرب ونتائجه، إلى فترة غير قصيرة. 
هذا لا يمنع من الإقرار بأن الهبوط السريع في سعر صرف الليرة السورية في الأسابيع الأخيرة، سلط الضوء أكثر من أي وقت مضى على النتائج الاقتصادية للصراع الدائر في سوريا. 
لقد بدا واضحاً من التقارير الجدية، القليلة، المنشورة، أن الآثار الاقتصادية للأحداث لا تقلّ مأساوية عن الأبعاد الأخرى للتراجيديا السورية. 
حسب نشرة «The Syria Report» التي تصدر حالياً من بيروت، ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي في التداول الفعلي من 150 ليرة سورية في منتصف حزيران إلى 330 ليرة في مطلع تمّوز، وبذلك أصبح سعر الليرة المتداول في سوق القطع، غير الرسمي، أقلّ من سدس السعر الذي كان متداولاً يوم اندلاع الأحداث في آذار العام 2011. 
يتزامن تراجع الليرة السورية مع اشتعال معدّل التضخم، على نحو لا سابق له منذ تأسيس الدولة السورية، وقد أصبح التضخم السنوي يتراوح بين 100 في المئة وضعف هذه النسبة، إلا أنه يختلف بين منطقة وأخرى. لقد فقدت المناطق السورية تجانسها الاقتصادي بسبب تباين الظروف و«الشرائع» السائدة بين منطقة وأخرى. 
هناك عناصر عديدة تؤثر على مالية الدولة ومعدّل التضخم وسعر الصرف. فالدولة السورية تواجه مشكلة تأمين المشتقات النفطية لأنها واقعة بين حصار غربي من جهة وسيطرة الثورة على آبار النفط من جهة أخرى. وقد تراجعت الاحتياطات الرسمية من 18 مليار دولار قبل الأحداث إلى أقلّ من خمسة مليارات (ربما مليارين حالياً)، وتقلصت الصادرات إلى حدود العدم وتوقفت السياحة كلياً، بما يحرم الدولة من أهمّ مداخيلها ويوقف تدفق الأموال بالعملات الأجنبية. فاجأ رئيس الحكومة السورية وائل الحلقي اجتماعاً للمحافظين السوريين بالتصريح أمامهم أن الدولة السورية فقدت كل وارداتها… 
كل ذلك لم يؤدّ، ولن يؤدّي في المدى المنظور، إلى استسلام النظام للشروط المعروضة عليه. فللنظام السوري تجربة «عريقة» في مواجهة تحدّيات ميزان المدفوعات عن طريق فرض قيود صارمة على التجارة الخارجية، وهذا ما حصل أكثر من مرّة في العامين الأخيرين. 
تحت تأثير الأزمة، وبشكل مفاجئ، برزت إلى السطح من جديد أفكار تخلى عنها النظام، مضطراً، منذ ربع قرن، وساد الاعتقاد أنها دفنت مع اعتماد الرئيس بشار الأسد، منذ بداية عهده، نوعاً من الانفتاح الاقتصادي المقنن. ومن حسن حظ نائب رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية قدري جميل تمكّنه من الجهر مجدّداً بالأفكار التي تعلمها أثناء دراسته في الاتحاد السوفياتي، ويشاركه فيها آخرون يحمّلون الانفتاح جزءاً من المسؤولية عن الكارثة، معطوفة على «المؤامرة الدولية» التي تتعرّض لها سوريا. خلاصة هذا الفكر المستحضر ضرورة إمساك الدولة كلياً بالتجارة الخارجية، وجزء من التجارة الداخلية، فتستورد مباشرة المواد الأساسية التي تحتاجها سوريا وتوزعها مباشرة عبر تجار الجملة. 
هدف هذه السياسة هو استئخار الانهيار. وفي كل الأحوال فإن كل الحلول المعتمدة تسعى إلى تحقيق هذا الهدف القصير المدى. فقد لجأت سوريا إلى مساعدة سخية من إيران لتوفير حاجاتها النفطية تبلغ 500 مليون دولار شهرياً، إضافة إلى خط ائتمان إيراني «غير محدود» للمواد النفطية والغذائية. وهي فضلت، من جهة أخرى، الخروج من الحصار إلى العزلة عن طريق حصر التعامل في التجارة الخارجية بعملات الدول الصديقة: روسيا والصين وإيران. 
المقصود من هذا العرض أن الانهيار النقدي الذي شهدته الليرة السورية، حتى لو تكرّر، فلن يؤدّي إلى الاستسلام، لأن لدى النظام السوري وسائل قصيرة المدى لمنع تحوله إلى مجاعة أو انهيار شامل. بالتالي فإن المراهنة الغربية على أن نتائج الحرب الاقتصادية قد تسبق نتائج الحرب العسكرية هو وهم و«استشراق». كما أن اعتقاد أعضاء الفريق الاقتصادي في الحكومة السورية بأنهم استعادوا النهج الاقتصادي السليم هو خطأ وتضليل. كل ما وجدوه هو تأخير انفجار الجبهة الاقتصادية الاجتماعية، كي يتمكن النظام من الاستمرار في القتال على الجبهة العسكرية.

السفير

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد