التغلغل الإيراني في حمص تحت أنظار مديرية الأوقاف.. تغيير عقائدي يثير حفيظة الأهالي

مع انطلاق الثورة السورية مطلع العام 2011، وجدت إيران الفرصة المناسبة للدخول إلى سوريا “عسكرياً” لدعم قوات النظام وإخماد الحراك الثوري، من خلال الزجّ بميليشيا “الحرس الثوري” الإيراني الذي انبثق عنه لاحقاً العديد من التشكيلات العسكرية التي تعمل تحت إمرته بعيداً عن تواجد قوات النظام.

وبعد نجاح كل من إيران والنظام بفرض سيطرته على مساحات جغرافية واسعة من الأراضي السورية التي كانت تخضع لسيطرة فصائل المعارضة، بات لطهران الباع الأكبر بما يخص انتقاء المناطق الحيوية والاستراتيجية التي تخدم مصالحها بعد أن فقدت مئات القتلى من جنودها بالحرب التي ساندت بها حليفها السوري.

واتخذت إيران بادئ الأمر “المراقد الشيعية” المتواجدة في سوريا ذريعة للتدخل بهدف حمايتها، قبل أن تتكشف الحقائق عن أطماعها بثروات المنطقة من جهة، وفرض نفسها كلاعب إقليمي من جهة أخرى، الأمر الذي وضعها أمام تحديات ومنافسة مباشرة مع القوة العسكرية الروسية المتواجدة التي دخلت سوريا بشكل مباشر.

امتيازات وعقود استثمارية يمنحها الأسد لإيران لردّ الجميل على مساندتها لقواته
تمكنت طهران من الحصول على امتيازات من حكومة نظام الأسد عام 2015 تسمح لها بموجبها بالاستثمار داخل الأراضي السورية كنوع من ردّ الجميل على ما قدمته من دعم عسكري ولوجستي لقوات النظام إبان حربه مع فصائل المعارضة، الأمر الذي بدأت بالعمل عليه فعلاً من خلال الزجّ بشركات استثمار مدعومة من قبلها ضمن مناجم استخراج الفوسفات وحقول النفط والغاز المتواجدة في ريف حمص الشرقي.

لم تنتهي مطامع إيران بالعمل على نهب ثروات سوريا الباطنية بتنسيق مشترك مع حليفها النظام السوري، إذّ بدأت بالعمل على فرض نفوذها العسكري ضمن مناطق شرق أوتوستراد حمص-دمشق مروراً بمدينة تدمر، ووصولاً إلى مدينة الميادين ومن ثم الحدود السورية العراقية، وذلك بهدف إكمال مشروعها المعروف بـ “الهلال الشيعي”.

بالتزامن مع الوجود العسكري على الأرض بدأت طهران بالعمل على إيجاد موطئ قدم لها “عقائديا” من خلال استقطاب الحاضنة الشيعية المتواجدة في حمص، إذّ قامت بدعم تكتلات عسكرية من أبناء المنطقة للعمل تحت إمرتها ومن أبرزها ميليشيا “لواء الرضى” الذي ذاع صيته ما بين عامي 2014-2016

 

سياسة الترغيب أحد الأساليب الذي اتبعته طهران لاختراق المجتمع السوري
ونجحت الجهود الإيرانية بإدخال جمعية “نور الهدى” إلى محافظة حمص التي تعتبر مركز ثقل التواجد الإيراني في سوريا جنباً إلى جنب مع مدينة البوكمال ومناطق من محافظة حلب شمال سوريا، والتي بدأت بتكثيف نشاطها من خلال الإعلان عن افتتاح دورات “دينية” لتعليم أسس وأصول “المذهب الشيعي” ضمن عدد من القرى النائية في ريف حمص الشرقي مستغلّة حالة الفقر التي يمرّ بها أبناء المنطقة، في ظلّ تخوف الأهالي من عملية تغيير ديمغرافي لمدينة تدمر التي عملت طهران على توطين عائلات مقاتليها التابعين لميليشيا “لواء فاطميون” داخل المنطقة الأثرية، والأحياء الغربية من المدينة التي تمّ تهجير مالكيها بفعل الحرب التي شهدتها المنطقة إبان سيطرة تنظيم الدولة على المدينة.

وامتد نشاط إيران متمثلاً بمنظمة “جهاد البناء” ليطال عدد من قرى ريف حمص الشمالي التي دخلتها الميليشيات الإيرانية مؤخرا، عقب فرض قوات النظام السيطرة عليها بشكل كامل منتصف العام 2018 الماضي بموجب ضمانة وتسوية روسية، حيث بدأت بإعادة ترميم وبناء المنازل المدمرة بفعل القصف المتبادل مع فصائل المعارضة في قرية “حوش حجو، والمختارية، والنجمة” الأمر الذي أكسبها حاضنة شعبية من أبناء المنطقة بشكل واضح.

 

أطفال السنّة هدف رئيسي لزرع الفكر الشيعي بين أبناء ريف حمص الشمالي
ومع الانتهاء من ترميم منازل المدنيين، أعلنت الجمعية التي يدير نشاطها في حمص الحاج مهدي أحد القياديين السابقين لميليشيا “لواء الرضى” عن افتتاح حسينية في قرية المختارية، بهدف استقطاب أطفال من عوائل أبناء السنة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 14/8عام بعدما تمّ تجنيد مجموعة من الشبان للعمل على ترغيبهم بحجة أنه من الضروري التعرف على باقي المذاهب الدينية.

مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، نقلت عن أحد أبناء قرية المختارية المتعارف بمزيج سكانها من المذهبين (السني – الشيعي) قوله: إن النهج الذي تسير عليه إيران من خلال جمعياتها المتسترة بالغطاء الديني ينذر بكارثة على مستوى الفكر والعقيدة لأبناء المنطقة على المدى القريب، الأمر الذي سيتيح لطهران وميليشياتها تغيير الطابع العقائدي للجيل القادم. 

وأضاف المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه -لضرورات تتعلق بالسلامة- أن الحاج مهدي أعلن عن منح المنتسبين مكافئات مالية تتراوح ما بين 75/40 ألف ليرة سورية، بالإضافة لسلة غذائية مستغلاً تردي الوضع المعيشي ضمن مناطق سيطرة النظام وانتشار البطالة بين الأهالي في الداخل السوري، بالتزامن مع غياب أي رقابة لما يتم تدريسه للأطفال من قبل مديرية أوقاف حمص.

ومن خلال العمل على ثلاثة مسارات متنوعة “البناء والدعوة والانتشار العسكري” تمكنت إيران من خلق ظروف مناسبة لتواجدها في محافظة حمص، بالتزامن مع تمكن حليفها الاستراتيجي “حزب الله” اللبناني من إنشاء كانتون خاص به على الجانب الغربي من أوتوستراد حمص-دمشق ليفرض هو الأخر هيمنته على مناطق القلمون الشرقي المتاخمة للأراضي اللبنانية، وافتتاح معبر “مطربا” الحدودي من مدينة القصير الخاضعة لسيطرة ميليشياته بمباركة رسمية من دولتي لبنان وسوريا.