التقارب والتنافر الروسي-التركي.. تأجيج الصراع في سوريا بحثاً عن تحقيق مصالح شخصية
تتفاوت العلاقات الروسية التركية في مناطق النفوذ المختلفة في سورية ما بين مد وجزر، فتارة يغلب عليها التقارب والوفاق وأخرى تميل إلى التنافس والصراع، لا سيما مع تشابك المصالح بين الدولتين وتقاطعها في الملف السوري وملفات إقليمية ودولية أخرى، بغض الطرف عما يتجرعه الشعب السوري من مرارة القتال والتشريد جراء “صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل”.
التفاهمات “الروسية – التركية” والتنسيق المشترك
لطالما شهدت الساحة السورية اتفاقات كثيرة بين الجانبين الروسي والتركي، كان آخرها في الخامس من مارس 2020، حيث وقع الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في موسكو ما عرف بـ “اتفاق منطقة خفض التصعيد”، والذي يقضي بالوقف المؤقت لإطلاق النار وإقامة ممر أمني وتسيير دوريات مشتركة تركية–روسية على طريق اللاذقية – حلب الدولي.
وهو ما جرى بالفعل، إذ تم تسيير 21 دورية مشتركة على مسافات متفاوتة، وتعرضت تلك الدوريات لاستهدافات متكررة عبر تفجير عبوات وألغام من قبل مجموعات جهادية رافضة للاتفاق، كان آخرها بتاريخ الـ 14 من الشهر الجاري، حيث أشار المرصد السوري إلى إصابة 3 جنود روس على الأقل بجراح متفاوتة، جراء انفجار لغم شديد الانفجار أثناء مرور الدورية الروسية – التركية، بالقرب من مصيبين على طريق اللاذقية – حلب الدولي، وجرى نقل الجرحى بواسطة عربات تركية.
كما يذكر أن الاتفاق جاء في إطار التخوف من اندلاع صراع مباشر بين الطرفين، إثر مقتل 36 جنديًا تركيًا في إدلب خلال هجوم شنته قوات الحكومة السورية المدعومة من روسيا، وهجوم مضاد على القوات السورية الحكومية من قبل تركيا الداعمة لمقاتلي المعارضة. وفي سياق متصل، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان خروج عدد من الدوريات المشتركة بين الجانبين التركي والروسي أيضاً في ريفي الحسكة والرقة، كان آخرها في 20/7/2020، حيث سيرت الشرطة الروسية دورية مشتركة مع القوات التركية على طريق “M4” الواصل بين مدينة عين عيسى في ريف الرقة وبلدة تل تمر في ريف الحسكة، وهي الدورية المشتركة الأولى لهما في هذه المنطقة.
وكان لهذا التنسيق المشترك في إطار الدوريات التركية – الروسية عدة مبررات تفسره، تمثلت في وقف العمليات العسكرية المستمرة في بعض مناطق التوتر كإدلب ومناطق في شمال شرقي سوريا، وإيقاف النزوح المستمر للمدنيين إلى بعض المحافظات المكتظة بالنازحين والمخيمات كمناطق النفوذ التركي والفصائل، إلى جانب رغبة أنقرة في أن تكون هذه الدوريات بمثابة أساس للوقف الدائم لإطلاق النار وليس المؤقت، ومن ثم يتم التفاوض بشأن القضايا العالقة بين الطرفين في سورية، بالإضافة إلى سعي تركيا لإعادة ما يقرب من 3,6 مليون لاجئ موجودين على أراضيها، ونجاحها في إبعاد المقاتلين الأكراد عن حدودها وإنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومتر إبان عقد قمة روسية تركية في سوتشي 22/10/2019.
وعلى الجانب المقابل، تبرز رغبة روسيا في الحفاظ على مصالحها وتواجدها في الطرق الدولية في سورية، وترسيخ نفوذها في مناطق النفط السوري، ومناطق العناصر الموالية لأمريكا، وكذلك التأثير على ميزان القوى في سورية لصالحها.
التصعيد ودائرة التوتر
في السادس عشر من يونيو 2020، رصد المرصد السوري قصف طائرة مسيرة مجهولة يرجح أنها تركية لنقطة سابقة لقوات سوريا الديمقراطية، جنوب ناحية الدرباسية في ريف الحسكة، على بعد نحو 100 متر من “مركز التنسيق المشترك” بين “قسد” وروسيا؛ ما أسفر عن إصابة جنديين من القوات الروسية وعنصر من قوات النظام.
وجاء ذلك كـ رد على قصف جوي بطائرات يعتقد أنها روسية لمدينة الباب في ريف حلب، فضلاً عن القصف المدفعي والصاروخي المتواصل لقوات النظام والمليشيات الموالية لإيران، والذي شمل كافة مناطق ريف إدلب الجنوبي وبالأخص مدينة أريحا وبلدات وقرى جبل الزاوية. وتلى ذلك استقدام تعزيزات عسكرية كبيرة من سلاح ومليشيات موالية لروسيا، وفي المقابل قامت الفصائل المقاتلة التابعة للمعارضة المسلحة المدعومة من تركيا باستنفار جميع مقاتليها وحصنت مواقعها في جبهات القتال للدفاع عن معاقلها، ما أدى لتأجيج التوتر بين الطرفين.
ويمكن تبرير التصعيد الروسي بدافع إقليمي يتمثل في الضغط على تركيا في سورية مقابل تراجعها عن موقفها فيما يخص الشأن الليبي، إضافة إلى رغبة موسكو في التحلل من التفاهمات الثنائية مع واشنطن، ونسف جميع مبادرات السلام التي دعت إليها في “أستانا” و”سوتشي” بعد الالتفاف عليها طويلاً، بهدف فرض السيطرة الروسية على أكبر مساحة ممكنة من البلاد، لا سيما مع سعيها لتطبيق سياسة “الهيمنة المرحلية” بالسيطرة على معاقل النفوذ الإيراني في ريف حلب الجنوبي، وإعادة الانتشار في محيط منطقة إدلب، إلى جانب قصفها المكثف للمناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل، بحجة التصدي لـ “التنظيمات الإرهابية”، كما تحاول روسيا تغيير معادلة النفوذ في سورية في عموم سورية ولاسيما محافظتي السويداء ودرعا من خلال “الفيلق الخامس” التابع لها.
أما بالنسبة للجانب التركي، فإنه يتخوف من “الشرعنة السياسية” ودعم ما أسمتهم الحكومة التركية بـ “المهددين لأمنها القومي”، سواءً من قبل الولايات المتحدة التي تدعم وحدات “شرق الفرات” أو روسيا التي وسعت وجودها العسكري في القامشلي وأوجدت مساحة للتقارب مع قسد، كما ينتابه القلق من دعم نظام الأسد خاصة من قبل موسكو، لا سيما وأن تركيا تعد الملاذ الوحيد للمعارضة في الوقت الراهن. كما أن تركيا تسعى للتعجيل بموافقة روسيا لتنفيذ بنود اتفاق موسكو حول إدلب، وخاصة فيما يتعلق بعودة النازحين وتقديم ضمانات لهم، بما يشجع ملايين الناس على الرجوع إلى مناطقهم.
إن العلاقات التركية–الروسية تنذر بمزيد من التناقضات في مواقف الطرفين في الأراضي السورية، لا سيما مع دخول الطرفين دائرة العنف والعنف المضاد، وعقد مزيد من المساومات والصفقات التي تفضي بدورها إلى زعزعة الاستقرار في البلاد، حيث يتم الأخذ في اعتبار مصالح كلا الطرفين في مناطق النزاع المختلفة على حساب الشعب السوري ووحدة أرضه.
التعليقات مغلقة.