التقسيم أم الحرب… أو هما معا… ما بعد الهدنة الملتبسة؟

العجيب في أسر هذه الهدنة أن صانعيْها، الأمريكي والروسي، ليسا واثقين مقدماً بمشروعهما. فالهدنة ليست هدفاً في حد ذاتها بل قد تكون لها وظائف متناقضة تخفي نوايا الدولتين الفعلية.
بينما يتمسك الروس بما يشبه رهان السلم على نجاح الهدنة، فإن السيد كيري، الذي لا يكف لسانه يومياً عن التصاريح المتناقضة، يكاد يفشي السر الرهيب المخفي من وراء كل هذه المرحلة الدبلوماسية الملتبسة. كأنما يعتبر سلفاً أن الهدنة لن تؤدي إلى السلم بل إلى تقسيم سورية.
لعل أمريكا تريد أن تعتذر للرأي العام في بلدها، ولشعوب المنطقة، أنها في المحصلة غير قادرة على منع تطور الحرب الأهلية المرحلية إلى نكبة وطنية وقومية كبرى لشعب سورية وعالمها العربي والإسلامي، لن تقل هموماً وإنتاجاً للويلات العامة عن نكبة فلسطين سابقتها الأولى طيلة ثلاثة أرباع القرن الماضي والربع الأول من القرن الحالي.
إن لم تستطع الهدنة القادمة أن تمارس جدية فعالة تكون أقوى من كل الاختراقات والالتفاقات المرتقبة على مسيرة الهدوء المفترضة، فإنها في هذه الحالة سوف تثبت بكل وضوح صحة الرأي الآخر الذي يتهمها منذ البداية، بكونها ليست في حقيقتها سوى محاولة في تبرئة الذمة من جريمة التقسيم التي ستكون هي النتيجة الوحيدة المحتومة، بديلاً عن اليأس من امكانية عودة السلام، حتى لا يقال غداً أن سادة المجتمع الدولي هم الذين شرعوا للنكبة العربية الكبرى الثانية، كما فعل أسلالهم في ما يتعلق بشرعنة وسرقة الوطن الفلسطيني من أهله، بل هم المتفائلون العاجزون عن مسالمة بعضهم للبعض الآخر قد أوصلوا البلاد إلى أشفى مصائدها في القضاء على وحدتها السياسية والجغرافية معاً.
وبذلك سوف يبرّىُ السادة الدوليون كل ما صنعت أيديهم القذرة من مقدمات التجزئة ومهالكها الآتية، ويلقون بأعباء الاتهام والإدانة التاريخية العظمى على عاتق عناصر الأرض، أي على مختلف فصائل الميادين الوطنية والدخيلة. سوف تصبح النكبة من مسؤولية هؤلاء المتقاتلين أنفسهم، الذين سيصيرون كذلك من أوائل ضحاياها عندما سيسود قانونها قريباً.
هذه الهدنة التي يبشر بها كيري، مقدماً بعجزها المحتوم، ماذا كانت وظيفتها إذن؟ مجرد ذريعة لنقص أعباء المسؤولية عن عاتق الكبار، من مخططي وصانعي جرائم الإنسانية، ورميها على عائق عملاء الميادين الدموية المفتوحة منذ خمس سنوات وأكثر؟ فالحقيقة المرة التي يتعاون الجميع على تجاهلها هي أن كل هذه الأهوال (الأهلوية) غير المسبوقة التي هزت ضمير العالم، إنما كان لها هدف واحد في المحصلة العامة لأقذر حرب، هو القضاء على سورية نفسها، وليس على أدوارها السياسية فحسب، كما كانت العادة طيلة الصراعات القومية الساندة على مستوى المواقف الحكومية فحسب. فسورية هي التي أُدخلت إلى عصر الفوضى بدل الثورة. لن تخرج منها إلا وهي بقايا لكل ما كان قائماً في كيانها المادي والمعنوي. سورية ستخرج من هذا الجحيم وهي في حال أسوأ وأشقى بكثير مما لو أنها تقسّمت أو تجزأت شذراً منذراً بأفعال سياسية دولية محلية مقصودة. ومع ذلك فالهدنة التي يبرّىُ أصحابَها أنفسهَم من أية ضمانة لنجاحها سلفاً، سوف تُحبي ربما لمرة حاسمة إمكانيةَ الأمل بالعودة إلى نوع من السلم الأهلي، بعد أن جعلته فظائع الأحداث أشبه بالمستحيل. سوف يمكن للقوى الشعبية الأخرى المعزولة عن الميادين، أن نستعيد بعض نشاطها الواقعي، أن تدخل ساحات الصراع العنفي باعتبارها تمثل البديل الوحيد القابل لإنتاج الفارق النوعي مع أسوأ واقع إنساني انهارت نحو حضيضه دولة كاملة. كانت احدى دول الريادة الفاتحة على نهضة العرب المعاصرة.
فقد تُشكل عملُية الهدنة في حد ذاتها، مهما كانت نتائجها الميدانية، نوعاً من مفترقِ طرق، الأسوأ فيها هو الجنوح نحو التقسيم، ولكن قد يأتي مقابله من يمكنه أن يقاومه، من أكثرية الشعب التي سوف ترفضه وتفتح ضده جبهات النضال السياسي المعروف بتقاليده منذ عهود الجماهير السورية وانتفاضتها الوطنية الفاصلة. هذه الجماهير الغائبة اليوم تقريباً، قد نأت بنفسها عن الانخراط في مسلسل التفاني المتبادل المفروض على الجميع. لكنها لن تبقى هكذا إزاء تحدي التقسيم. فإذا كان العنف الأعمى المسيطر قد استطاع أن يطيح الشخصية المفهومية السلمية للثورة الشعبية الأصلية، فهاهو مخطط التقسيم يهدف ليس إلى إطاحة الثورة وحدها، ولكن البلاد نفسها. بكيانها الجغرافي تمهيداً لعمليات تذرير مجتمعاتها ومحوها من الوجود التاريخي والإنساني معاً.
وتحويل ما كان وطناً للحب والحضارة إلى شيكية اعفوانية من بؤر عنصرية وطائفية يقاتل بعضها بعضا إلى ما لا نهاية على أضيق المصالح الفئوية، والتباري في ما بينها في أحط المؤامرات ضد بعضها. ما سوف يعنيه التقسيم هو إشباعُ الشرعيات اللفظية على الفصائل المتقاتلة الحالية. سيفوز أقواها بأسماء سلطات حكومية، وكيانات دولية، مع امكانية تفريخها للجماعات الأخرى من الدرجة الثانية أو الثالثة، وهي رافعة شكلياتها (الدستورية) لتغدو دولاً كذلك متشبهّة بكبراها من الصنف الأول.
أي أن هذا التقسيم الموعودة به النكبةُ السورية، لن يكون سوى الفخ الأكبر الأخير من أجل تأبيد حالة التقاتل العمومي السارية المفعول طيلة السنوات الخمس العجاف السابقة. هذا التأبيد الذي سيحتل أشكال الدول الدستورية، سوف يدعي أنه يحول الميلشيات إلى كيانات حضارية (؟). كأنما المقصودُ (الاستراتيجي) العميق من مشروع التقسيم هو نقل الحرب الأهلية الحالية من الوضع الشاذ الاستثنائي إلى حال من الانتظام القانوني لمظاهر حياةٍ عامةٍ تتمتع بمظاهر عامة طبيعية وفق توزيع رموز الشرعنة الزائفة على مختلف خصائص العنف الأهلوي السابق، وجعله عنفاً نظامياً محمياً بسلطة (الدويلة) الجديدة المصطنعة.
ما تعيشه سورية والمشرق من حولها هي لحظة حاسمة حقاً، هي نقطة تلاق لنهايات ما قبل مشروع أية هدنة حقيقية أو فاشلة، مع بدايات أخرى لمراحل عديدة مما سيسمى بحقبة ما بعد الحرب الأهلية أو زمن التصفيات السياسية الناعمة لمصلحتها التي ستؤسس بدورها واقعاً لسلام ما معطوب بتركه ماضيه الأسود، عاجزاً حتى عن طرح لمحاولات وأحلام أخرى بأشباه السلام. ذلك أن سنوات القتل العجاف لم تحل أية مشكلة سياسية أو عسكرية بقدر أنها تنتج منتصراً واحد من بين زبانيتها. لكنها رسّخت عقيدة العنف العبثي وحده كاحتياط ضروري لعجز، تكون وظيفته إحباط السياسة المدنية القادمة وتعجيز السياسة المدنية القادمة سواء لدى دعاتها أو ممارسيها في هذه المنطقة المظلومة من عالم العصر الراهن.
تجربة الهدنة المولودة كسبحةً ممزقةً، خادعةً ومخدوعة في مطامحها الوهمية. تجربتها هذه لن تمضي بدون أية معان مصيرية. قد يلخصها ذلك الاقتراص القائل إن الحرب الأهلية إن لم تكن قد حانت نهايتها، فهي على الأقل لن تشابه عيْن وقائعها السابقة لما بعد التهدئة السطحية الخائبة هذه. ولربما ستضطر إلى طرح الخيار الأشد حسماً حتى الآن من كل ماضيه. وهو الخيار ما بين عودة الثورة المدنية، مصححةً هذه المرة بكل تجاربها المتراكمة، أو أنها ستقدم فرص التحقيق العملي لصراع المشاريع التقسيمية الحائمة كالنسور الجانحة فوق الجغرافية السورية في كل جهاتها.
هذه الثورة المدنية المغدورة سواء بأيدي بعض روادها الأوائل، أو من وراء ظهورهم، فإنها لم تستسلم لقضاء مبرم بحقها. بل انسحبت إلى ضمائر جماهيرها الكبيرة الصامتة والمبعدة عن الحدث الإرهابي السائد في كل الساحات العامة، بدلاً من سيادة المهرجانات التاريخية المليونية التليدة، تلك المتوارثة منذ عهد أعمق الأصول إلى أبعد الفروع للأمة العربية.
نقول شكراً للهدنة الكاذبة. فقد أثبتت أن القتلة لن يكونوا أبداً صناعاً للسلام تحت أية ضرورات كانت، ولا أن بعضها يعادل التهديد بنهايتهم فُرادى وجماعات، تلك الخاتمة الآتية في كل حين. صانعو السلام هم مقاتلوه الحقيقيون الرافعون لراياته فوق كل مظلة كالحة، هؤلاء هم المستحقون لعهده التليد. فقد كانوا ثواراً روّاداً لعصر الحرية والكرامة. فإذا ما كانت الثورة قد سرقت منهم في غفلة من العقل والدهر معاً، فلن يسمحوا بأن يخطف منهم السلام القادم مرة أخرى… عسّى ولعلّ!

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي