“التنافس الروسي _ الإيراني” وإعادة تشكيل المشهد السوري

31

تدخل المحنة السورية عامها العاشر ويستمر الصراع المتعدد الأقطاب والأبعاد. ويبدأ الفرز في ” تصفية الحروب السورية” بين مختلف اللاعبين ليس فقط ضمن المحاور المتقابلة، بل أيضاً ضمن المحور الواحد وهذا ما ينطبق عليه الوضع بين روسيا وإيران خاصة منذ التداعيات الإقليمية للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في مايو 2018 . وفي مطلق الأحوال، تعلمنا التجارب التاريخية صعوبة التعايش بين قوتين خارجيتين محتلتين أو متحكمتين في مكان واحد. وبرزت في الفترة الأخيرة مواقف توحي بالتباعد أكثر فأكثر بين الجانبين، ويتضح أن روسيا وإيران لا تتفقان على الرأي حيال عدد من المسائل الأساسية: مصير الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة، وتركيبة سوريا ما بعد الحرب، ودور الأكراد. وبالرغم من الانسحاب الجزئي الإيراني بداية مايو الحالي فإنه لا يمثل تغييراً إستراتيجياً، ولذا خلافاً لما يعتقد كثيرون، تجد روسيا نفسها في وضع لا يمكنها بموجبه السيطرة على تصرفات إيران في سورية. وكل رهان على فصل المنظومة الأسدية عن إيران يبدو وهماً لا طائل تحته، لأن العلاقة بين الطرفين تشبه ” التوأم السيامي”. ولذا سيكون التجاذب الخفي الروسي – الإيراني عاملاً مؤثراً في بلورة إعادة تشكيل المشهد السوري.

من أجل الإحاطة بتطور علاقة العمل الروسية – الإيرانية التنسيقية والتنافسية في أن واحد على الساحة السورية، لا بد من العودة لثوابت الطرفين منذ بدايات الأزمة السورية حيث تدخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بزخم وفق مقاربتها للنظام القائم ( الحليف منذ حرب العراق – إيران والشريك المقرب منذ تسلم بشار الأسد مقاليد الحكم في العام 2000) الذي تعتبره ” جوهرة تاج المشروع الإمبراطوري الإيراني” وممره الإلزامي نحو البحر الأبيض المتوسط ولبنان موئل “حزب الله” أبرز منفذي السياسة الإيرانية في الإقليم. وهذه الأساسيات تدلل على الصلة الملتصقة وإصرار طهران على دعم نظام الأسد بكل الأساليب السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية. أما اهتمام موسكو بالساحة السورية وموقعها الإستراتيجي في شرق البحر الأبيض المتوسط وفي قلب العالم العربي فيعود إلى الحقبة السوفياتية ، وبقي الوجود العسكري هناك من آثار مرحلة الحرب الباردة. وفي هذا السياق الإستراتيجي التاريخي تعاملت موسكو مع الحدث السوري ، وكان العامل الثاني رفض نظرية تغيير الأنظمة تحت غطاء التمسك ب ” الشرعية الدولية” وكان ” الربيع العربي” واحتمالات تصديره ونجاح التيارات الإسلامية ( تبعاً لحرب الشيشان) من عناصر الخشية الروسية . وإذ يربط كثير من المراقبين والعارفين التدخل الروسي الواسع والمكثف أواخر صيف 2015 بطلب من الجنرال قاسم سليماني بعد تعذر إنقاذ النظام السوري من دون القوة الجوية الروسية، لكن المطلعين في موسكو يميلون إلى أن القرار الروسي سهلته إسرائيل وباركته، وتغاضت عنه إدارة باراك أوباما. وطوال فترة إمساكه العملي بالملف الروسي، اعتمد “القيصر الجديد” على التحكم النسبي بإدارة الصراع وذلك عبر إدارة تقاطعات من خلال تنسيق إستراتيجي مع إيران التي لعبت مع ميليشياتها دور القوة البرية للقوة الجوية الروسية، وكذلك من خلال علاقة عمل مع تركيا بعد تجاوز إسقاط مقاتلة روسية أواخر 2015 واحتواء حركة أنقرة بالتزامن مع اسقاط حلب أواخر 2016 ، والتنسيق الإستراتيجي الثالث كان مع إسرائيل التي لم تتعارض مصالحها في العمق مع الدور الروسي.

بيد أنه منذ سبتمبر 2018 ( تاريخ سقوط طائرة روسية بنيران الدفاع الجوي السوري إثر غارة إسرائيلية ) أخذت التحديات تتعاظم أمام المهمة الروسية في مرحلة تصفية الحروب السورية، ووجدت روسيا نفسها في الوسط بين إيران وإسرائيل ولذا تبذل جهداً مضاعفاً لتجنب حصول مواجهة مباشرة بين الجانبين على الساحة السورية وما تحملها من تهديد للمكاسب الروسية. وبالرغم من رهان على ترتيب يؤدي إلى سحب الوجود العسكري لإيران وحلفائها من الجنوب السوري، تبين أن المسألة أكثر تعقيداً وتتصل بالنفوذ الإيراني في كل سوريا ومستقبل الوضع فيها وبمجمل التوازن الإقليمي.

وبرزت تطورات في الأسابيع الأخيرة تشي بتحولات يمكن أن تغير الوضع القائم، وأهمها انسحاب الحرس الثوري الإيراني وإخلائه بعض قواعده بعد تكثيف الغارات الإسرائيلية، وكذلك تسجيل تجاذب روسي مع النظام السوري على خلفية ” السجال الإعلامي” عن بعد بين وسائل إعلام روسية وموالين أسديين، وترافق ذلك مع خروج خلاف بين بشار الأسد وقريبه رامي مخلوف إلى العلن واحتمال وجود بعد خارجي له. ولا يمكن التقليل من انعكاسات الحراك الإيراني وسعي طهران للتأقلم مع الضغوط، وكذلك يمكن ربط الانتقادات الروسية غير الرسمية والتنازع ضمن الحلقة الأولى للنظام بترتيبات تتسارع بلورتها بالتزامن مع تناغم موضعي بين روسيا وتركيا في الشمال السوري، وقبل استخدام واشنطن لورقة ” قانون قيصر” الذي يدخل حيز التطبيق ،أوائل يونيو، لمنع أي تصور لمستقبل الحكم في سوريا مع بقاء رأس المنظومة متربعاً على عرش قصر المهاجرين، وضمن هذا السباق مع عقارب الساعة تأتي الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر القادم وموعد ” الانتخابات الرئاسية السورية” في العام 2021 . وهذه المواعيد تعجل بتحديد كل فريق لخياراته ومواقفه.

ولفت النظر في 11 مايو الجاري ، نفي طهران وجود أي خطط جرى بحثها مع موسكو وأنقرة عبر مسار أستانة تقضي بتحييد نظام الرئيس بشار الأسد .ونقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) عن المتحدث باسم وزارة الخارجية سيد عباس موسوي قوله أن “الأخبار المتداولة حول رسم مستقبل سوريا عبر مسار أستانة لا تعكس الحقيقة”. وأكد موسوي، أن “إدارة طهران تقف دائما بجانب الدولة السورية وشعبها”. وكانت وسائل إعلام روسية قد ذكرت مؤخراً، أن موسكو وأنقرة وطهران تخطط لتشكيل حكومة مؤقتة في سوريا. ومن الواضح ان النظام يلعب على العلاقات بين روسيا وإيران للتهرب من العملية السياسية وتطبيق القرار 2254 ، لكن ذلك لن يخدم مصالح موسكو لجهة تطبيع الوضع وإعادة الاعمار بمشاركة غربية، ويمكن للقيادة الروسية التفكير ببدائل وسطية أو من داخل المنظمة نفسها وهذا لا يطمئن إيران المصرة على الدفاع عن التركيبة الأسدية ويزداد قلقها لأنه يوجد قبول أميركي_ أوروبي _ عربي برعاية روسية للوضع السوري شريطة استبعاد النفوذ الإيراني. وبما أن الوجود الإيراني المباشر أو غير المباشر هو المستهدف تراهن طهران على أن زحزحتها من سوريا غير ممكن من دون حرب وليس هناك من هو على استعداد للقيامبذلك ولذا ستستمر بمناوراتها للاحتفاظ بموقع قوي ضمن مناطق النظام لكن ليس تحت العباءة الروسية، مع قبولها عمليا بمناطق نفوذ أخرى تلعب فيها تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل أدواراً مباشرة وغير مباشرة.

هكذا لا ينحصر التنافس الروسي – الإيراني على منع إيران من الاستحواذ على مرفأ قي الساحل السوري الحيوي بالنسبة للوجود الروسي أو في الاستثمارات والتغلغل داخل البنية السورية، بل يتصل بالهدف النهائي للتنسيق إذ تريد روسيا الوصول لبناء دولة اتحادية مستقرة وتضمن مصالحها، بينما تود طهران تكريس بقاء سوريا في النادي الإيراني حيث تتلاشى الدولة أمام منطق الهياكل الموازية خدمة للمشروع الإمبراطوري. باختصار سيشتد التنافس ويغيب التنسيق بين الطرفين بانتظار متغيرات حاسمة. واذا قرر القيصر الروسي أن يبقى ملك اللعبة على رقعة الشطرنج السورية، لن يكون من السهل عليه إبعاد إيران عن الغنيمة السورية بعد كل هذا الاستثمار وستكون موسكو محرجة أكثر فأكثر في تحريك أحجار الشطرنج بين إسرائيل وإيران وواشنطن وأنقرة.

 

 

 

الكاتب:خطار أبو دياب – المصدر:  بروكار برس