التواطؤ الروسي الأمريكي في سوريا

من المبالغة الحديث عن «شراكة» كاملة الأوصاف في موضوع الشأن السوري بين الولايات المتحدة وروسيا رغم ما تبدو عليه أوجه التعاون فيه منذ عام 2011، سواء من خلال تبادل الأدوار على الصعيد الدبلوماسي، أو من خلال صياغة نتائج المؤتمرات الدولية بشأن ما اتفق على تسميته بالحل السياسي اعتباراً من جنيف 1 وحتى فيينا 2. وعلى أنه كان على تضارب المصالح الصارخ واختلاف الرؤى الاستراتيجية أن يحول دون قيام أي تعاون بين القوتين في الموضوع السوري تحديداً، إلا أن الوقائع تشير إلى أن «التواطؤ» استقر بينهما متيحاً لكل منهما تحقيق مصالحه الآنية وربما أيضاً على المدى القريب.
منذ بداية الثورة السورية، وعلى الرغم من الدعم الإيراني غير المحدود، نُظِرَ إلى روسيا بوصفها الداعم الأهمّ للنظام الأسدي سواء على صعيد التسليح العسكري وتجديد الآلة الحربية أو على الصعيد الدبلوماسي باستخدام الفيتو لصالحه في مجلس الأمن. في حين نُظِرَ إلى الولايات المتحدة على أنها صديقة الثورة السورية وداعمتها لاسيما وأنها اعتبرت من قبل النظام الأسدي مصدر المؤامرة عليه، وهذا رغم التصريحات الخلبية التي كان يدلي بها المسؤولون الأمريكيون على اختلافهم بدءاً بالرئيس أوباما.
ذلك أنه إذا كانت المواقف الروسية إلى جانب النظام الأسدي علنية وصريحة شأن تناغمها حتى وقت قريب مع المواقف الإيرانية فإن تلك التي صدرت عن الولايات المتحدة إلى جانب الثورة السورية كانت في الحقيقة تدعو على الدوام إلى الحذر في فهمها أو في تفسيرها، مثلما كانت تدعو إليه مواقفها من أصدقائها أو حلفائها في المنطقة حين تبدر منهم نوايا أو أفعال تتنافى مع موقفها الاستراتيجي الذي لا يتراءى إلا عبر تحليل دقيق لسياسات إدارة أوباما في مختلف مناطق العالم وخصوصاً في المنطقتيْن العربية والإسلامية. هكذا، وبقدر ما كانت إيران وروسيا تدعمان النظام الأسدي بالرجال وبالسلاح وبالخبرات، كانت الولايات المتحدة ترفض تسليح المعارضة بما يتيح لها مواجهة آلة القتل الجهنمية التي اعتمدها النظام الأسدي، بل وتلجم أصدقاءها العرب أو حلفاءها الأتراك عن مثل هذا التسليح النوعي، فبدت تصريحات هؤلاء الأخيرين ونواياهم على تناقض شديد مع أفعالهم. وكأنما كانت الرغبة الأمريكية بقاء التوازن قائماً بين النظام ومعارضيه المسلحين، وهو توازن عملت روسيا منذ البداية على المحافظة عليه والحيلولة دون الإخلال به لاسيما منذ بدا واضحاً استحالة العودة إلى وراء في ما يخص النظام الأسدي.
كان هذا التناغم في الموقفين الروسي والأمريكي جلياً في تصريح لوزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون في 7 آب/اغسطس 2012: «إنّ على من يحاولون استغلال معاناة الشعب السوري سواء بإرسال أتباعهم أو بإرسال مقاتلين إرهابيين، أن يعلموا أنّ أيّ طرف، خاصة الشعب السوري، لن يسمح لهم بذلك» وبالتالي، «علينا أن نضمن بقاء مؤسسات الدولة سليمة» مثلما تبدو أكثر صراحة في شهادة خليفتها، جون كيري، أمام الكونغرس، في 24 كانون الثاني/يناير 2013: «إن التنسيق مع روسيا في الأزمة السورية هو أقلّ الشرور» (!). ولقد ازداد وضوح هذا التناغم في البيان الختامي لمجموعة العمل من أجل سوريا، الصادر في 30 حزيران/يونيو 2012 والذي عرف باسم مقررات جنيف 1، وذلك على الرغم من التباين في تفسير تفاصيل المرحلة الانتقالية المعنية فيه!
قيل وكتب الكثير حول رغبة الولايات المتحدة إنهاك الأطراف المنخرطة في الشأن السوري؛ ذلك أمر كان يتم تداوله علناً ومنذ بدايات الثورة السورية وقمعها بالسلاح الحي، في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية كلما طرح سؤال حول ما سيكون عليه موقف البيت الأبيض مما يحدث. وهي رغبة بدا في الوقت نفسه أن إسرائيل تتقاسمها مع روسيا والولايات المتحدة. وفي هذا المجال، سبق لرئيس الموساد السابق، أفرايم هاليفي، أن كتب ما يعبر عن ذلك في مجلة الشؤون الخارجية الإسرائيلية تحت عنوان: «رجل إسرائيل بدمشق، لماذا لا تريد إسرائيل الإطاحة بالنظام السوري؟». ربما لم تتطابق رغبة الكرملين معها، لكن اللقاء بين الأطراف الثلاثة تجسَّدَ في الإبقاء على النظام. ولكلٍّ أسلوبه، هذا بضبط إيقاع المعارك بين النظام والمعارضة، وذاك بدعم النظام بالسلاح والعتاد كي يستمر واقفاً. لكن اللقاء تجسَّدَ أيضاً في محاربة ما صار يطلق عليه من قبل الطرفين (في اعتماد واضح للتسمية الأسدية) الجماعات الإرهابية. يقول كيري بعد اجتماع أجراه في منتصف عام 2013 مع بوتين ولافروف: «إننا نشاطر الروس وجهة النظر تجاه سوريا»، و»كلانا يريد أن تستقر الأمور في سوريا وأن تكون خالية من الراديكاليّة ومن المشاكل التي من شأنها أن تؤثّر على المنطقة برمّتها»، و»كلانا وقّع اتفاق جينيف حول سوريا، وهذا يعني أنّه توجد أرضيّة مشتركة».
وحين بدا أن النظام الأسدي قد تجاوز الخط الأحمر الأمريكي باستعماله السلاح الكيمياوي يوم 21 آب/اغسطس 2013 وقام أوباما بحشد القوات البحرية والجوية في المتوسط استعداداً لتنفيذ العقاب، قدمت روسيا له على طبق من فضة مخازن السلاح الكيمياوي السوري. وكانت بالفعل هدية ثمينة أولاً لأوباما، بما أنها أتاحت له أن يتخلص من عواقب خطه الأحمر من جهة وأن يبقى محافظا على المسار الذي شرعه منذ وصوله إلى سدة الرئاسة باستبعاد أي تدخل خارجي مباشر من جهة أخرى، وثانياً لإسرائيل، بما أنها تخلصت مما كانت تخشى منه، أي خروج هذا السلاح عن سيطرة النظام الأسدي.
حتى كان دخول روسيا سوريا الذي بدا وكأنه يجري بمباركة واشنطن التي كانت تصريحات رئيسها أقرب إلى التحذيرات الخجولة من الفشل منها إلى الاستنكار. فما دام هذا التواجد العسكري منحصراً في العمليات الجوية، فلن يؤدي، أياً كانت قوته، إلى حسم المعركة نهائياً. سيسهم بالأحرى في تعديل كفة التوازن بين النظام الأسدي والمعارضة المسلحة، وهو ما لا اعتراض عليه ما دام يؤدي إلى حل سياسي لا حصة فيه لما تسميه واشنطن «المعارضة الراديكالية». لكنه سيؤدي خصوصاً إلى لجم تركيا عما لم تكف عن المطالبة به: المنطقة الآمنة. وجاء إسقاط هذه الأخيرة للطائرة الروسية ودعم أمريكا الخجول لِحَقِّها في الدفاع عن سيادتها كي ينسف هذا المشروع نهائياً، وهي نتيجة ما كان للولايات المتحدة إلا أن ترضى بها بعد أن قاومته منذ البداية مستجيبة في الوقت نفسه لما رفضته روسيا على الدوام.
زعمت روسيا أن تدخلها جاء لمحاربة الإرهاب، وكان واضحاً أن الإرهاب في نظرها لا ينحصر في «تنظيم الدولة» أو «جبهة النصرة» فحسب، بل في كل جماعة مسلحة حملت السلاح في وجه النظام الأسدي. لكن مباشرتها فور بدء عملياتها في سورية استثناء داعش من هجمات طائراتها وضرب كل القوى المقاتلة بلا تمييز، أوضح بما لا يقبل الشك أن هدفها الأول هو إعادة تأهيل النظام الأسدي عسكرياً وميدانياً فضلاً عن إعادة تأهيله سياسيا، ثم فرض ذلك على القوى الغربية التي بادرت، على إثر الولايات المتحدة، إلى قبول الأطروحة الروسية بالنسبة إلى النظام السوري، معبرة عن هذا القبول بصيغ مختلفة في الظاهر متحدة في المضمون.
بعد أن تجلى هذا التواطؤ بين الموقفين الروسي والأمريكي في الشأن السوري من خلال المؤتمرات العديدة التي تناولته وآخرها مؤتمر فيينا 2، هاهو يعود إلى الظهور من جديد في الطريقة التي استقبلت بها روسيا وأمريكا نتائج مؤتمر المعارضة السورية الذي نظمته المملكة العربية السعودية بالرياض بتكليف من فيينا 2. لقد حرص كلاهما، كل بلغته، على ضرورة إعادة صياغة نتائج هذا المؤتمر، بل وكذلك على ضرورة تحديد أسماء أعضاء وفد ممثل للمعارضة ينال موافقتهما معاً.
ذلك كله، بالطبع، في غياب الشعب السوري.

٭ كاتب سوري

بدرالدين عرودكي

القدس العربي