الثورة والطغيان شريكان في مطاردة الوعي التاريخي؟

36069154016588411_30300

لم تفقد الثورة السورية في طورها العسكري الراهن جمهورها المدني فحسب، بل طردت من بين صفوفها آخر الطلائع الثقافية التي التحمت بجسم الحراك الثوري منذ بدايته. لكن ليست هي العسكرة وحدها التي تبطل الحاجة إلى الفكر وأصحابه، بل هي دوغمائيات الإرهاب الغيبي التي تنتزع الأفراد الثوار من شخصياتهم الأصلية، وتحشرهم، هم وعقولهم وسلوكياتهم، في قوالب الطقسنة الدينية الجاهزة منذ عمق التاريخ القروسطي. فلا يعود الفرد منهم مُعرَّفاً بذاته، بقدر ما يتماهى مع النموذج المفروض عليه من مجتمع عقيدته. فالطقسنة هي إعادة صياغةٍ تامة لوجوديات الأفراد، لما يمكن أن يُطلق عليه لفظ الفطرة، أو الطبيعة الأولى الخام. فإن طقسنة التدين هي نقيض تربية التمدن. كلا العمليتين تتجاوزان جذوَر الشخصية الأولى للكائن. لكن كلاً منهما تذهب في الاتجاه المعاكس للأخرى.

لكن مفكري هذه الحقبة من تاريخ الإسلام لم يكونوا يعتقدون أن التحضر والتدين متناقضان، بل ربما كان السبيل الوحيد للخروج من البداوة هو بناء مجتمع الاستقرار الجغرافي والإنساني الذي يَعد به مذهبُ التوحيد بما كان ينطوي عليه كل دين حقيقي. ولم يقع التفارق المفهومي والمؤسسي بين التدّين والتمدن إلا عندما يذهب الأول إلى حدود الأدلجة المطلقة لمبادئه وأوامره الإجرائية. وعندما يصبح التمدن مجرد إطارات زخرفية عمومية لممارسات الأنانيات الفردية. وفي الحالتين هاتين لن يكون المخرج من المأزق إلا باستعادة النخب الثقافية لمهماتها الوجودية الأصلية، وأُولاها هي تلك الوظيفة المنسية للوعي الخالص المجرد عن أية غرضية مباشرة أو غير مباشرة. فالعامل الوحيد المنقذ للحضارات المهدَّدة بمآزقها الكبرى كان دائماً انتصاراً للوعي على الظروف القاهرة. ولم ينهزم العديد من حضارات التاريخ، المعروفة أو المجهولة، إلا عندما يصير وعيها حاصل تحصيل لاستعارات غيبية أو تجريدية، حائمة في هوامش الأحداث العامة، ضعيفة ومستضعفة. وتنحصر مهمتها في ابتكار ألاعيب التسويغات للخلائط النمطية من أشباه جاهزيات التدين والتمدن. فلا يدري مجتمعها إن كان لايزال من صنّاع خياراته لذاته ومستقبله أو أنه انتهى مصنوعاً نهباً لغايات أعدائه وخصومه المحجوبين أو العلنيين.

منذ أن تربعت ثقافة التخلف كأعلى أقنوم لمجمل عقبات النهوض في مرجعيات التنمية المستدامة، كمصطلح دولي لمفهمة العالم الثالث بالنسبة للعالم المتقدم، وكذلك لشعوبه، فقد ابتليت تجارب النهوض العالمثالثية بفائض من نظريات التخلف، حتى كاد هذا اللفظ يصير مفتاحَ كل المعضلات المجتمعية والبنيوية. في حين يبقى مفهومه غائباً عن التداول العلموي. كأن الأمر هو من مرتبة البديهيات المطلقة، التي بقدر ما توضّح غيرها من المرجعيات الفكرية، فإنها غير قابلة للتعليل في ذاتها، فكان التنمويون يتحاشون ما أمكنهم التعرض للوعي ومسائله. يتداولون التخلف نيابة عن قاموس الوعي ومفرداته المتشابكة. ينقلب الوضع المنطقي للتخلف من كونه الراسب المتحصل عن مختلف أحوال الانحطاط الحضاري، إلى كونه هو أصل الانحطاط.

في مثل هذا التحليل لإشكالية المجتمع المقهور لا يزال الوعي هو المطارَد من كل بحث جاد عن ظواهره، عن تفكيك فعالياته، عن أدواره البنيوية في النشأة الحضارية المطلوبة. إن الوعي الذي لم يعد ممنوعاً في السياسة فحسب، أصبح الممنوع المركزي حتى في الثورة على مهالك الاستبداد. فلا غرابة إذن أن تكون معظم ثورات العالم الثالث والعربية منه خاصة، هي المنادية التقليدية بالحريات، لكنها هي الخصم الغريب، غير المتصالح مع مملكة الوعي. هذا لا يعني أن كل ثورة مضطرة للدفاع عن عقيدتها (الخاصة). فلا بأس إن تعارضت مع الوعي، كفكر عام وموضوعي مستقل. لكن الثورة المعزولة بإرادتها عن الوعي و إن كانت تلهج ليل نهار بأسماء الحريات ومقدساتها، فإنها قد تستحدث لذاتها ديناً يخصها وحدها، يفرض محرّماتِهِ؛ على سلوكيات أفراده وأفكارهم؛ فما أن تمضي الثورة في هذا الطريق الوعر والشاقّ حتى تجد نفسها غارقة في أفعالها، والدموية منها خاصة، فتكاد تشبه عدوها اللدود، ربما عن غير إرادة. وتلك هي محصلة كئيبة لكل ثورة، تنطلق بشعار الحرية لتصبح في المآل الأخير خصماً شرساً للحرية في دلالاتها العمومية، فتعزل نفسها مجدداً عن حواضنها الاجتماعية الشاملة، حيثما تنقطع أواصر التواصل ما أن تُختزل الحرية كإيديولوجيا لفظوية لأدعياء الثورة وحدهم، دون أن يعيروا اهتماماً لدلالة الحرية كمشاركة للجميع في عمومية مقاصدها الثقافية والعملية. إن الوعي المسلوب ثورياً وأيديولوجياً هو وحده الذي يتقبل قسمة الحرية ما بين الخاص ـ الذي يستحق نعْمتها ـ وبين العام الذي يمكن تجريده، وبالتالي تجاهله.

لهذا يتصور (الغرب) أن ثورات العالم الثالث لا تستطيع أن تعبّد الطرق أمام مجتمعاته لتخرج من عصور انحطاطها، ذلك أنها محكومة بالتخلف الذي لن يولّد إلا ثوراتٍ متخلّفة، من طبيعته عينها. وقد يصح هذا الاعتقاد إذ تدعمه معظم تجارب ( التحرر الوطني) التي أبدلت الاستعمار الخارجي الأجنبي بأصناف من الاستبداد الداخلي الأهلي: فما أسهل الحرية في ممارسة الهدم، وما أصعبها حين تولج نفسها بهموم البناء وقد تصح هذه الحكمة العتيقة، لكنها تتجاهل التعليل الموضوعي الأهم، وهو أنه لا حرية مع الجهل والتجهيل. في هذا المستوى تكون الكلمة الفاصلة لسلطة الغرائز الجماعية وحدها، لانطلاقها بدون حارس ولا رقيب. وهنا في هذا السياق الواقعي تتداخل الحدود ما بين الطغيان والثورة. فيستعين كل طرف من عدوه وسائلَه بدون تمييز واع ما بين فوارقها عن بعضها.

الثوري لا يمكن أن يصير قاتلاً وإلا فقد مشروعيته. أما القاتل لايضيُره أنْ يتشّبه بالثوري وإن تابع دوره الأصلي. فأسوأ ما تصاب به ثوراتنا العربية هو اختلاط الأدوار بين رموزها، من الطغاة والثوار معاً. إذ تصبح الفئتان من ضحايا التخلف، من جُهلاء الوعي، ومن عداد أعدائه. وفي هذا المنعطف البائس يتخندق الطغاة وراء زخارف من دعاوى التمدن، بينما ينجرف قطعان من شباب الثورة في عواصف من طقسنة التديْن القروسطي. يصير (الوعي) هو البدوي الأخير المشرد بين الأوثان وآلهاتهم. لا يتبقى له سوى خطاب وحيد، وهو أن يسترد إنسانُ العرب كائنَه الطبيعي من تحت الأقنعة التي تلبسّت جسده ووجهه. إنه داعٍ ومدعوّ في الوقت عينه لكي يسترد إنسان العرب كائنه الحي من موميائيات المتاحف الغبراء : أن ينتزع عن ‘ براءة الصيرورة ‘ كل ما علق بها من الأسماء والتوصيفات، من تُهم الانحطاط وقواميس التخلف. ومن التعريفات والهويات المصطنعة..

لعلّه يشرع في الثورة الحقيقية المؤجلة أو المغدورة تحت معاطف أشباهها وأشباحها الضالة والمضلِلّة. إنها أولاً ثورة الوعي الفاصلة دائماً بين الدين الأصلي والتَفَقْهن الدخيل، وبين التمدن في العقل والسلوك قبل أن يكون في الجبروت والطغيان. فليست هي دعوة للمثالية والخيالية. فإذا تساءلنا عن سر الحضارات الناجحة، كان الجواب هو في استحضار البعض من علائم الوعي. فاللفظة، الوعي متداولة، لكن معانيها لا يعرف بعضها إلا القليلون ممن نهضوا بالعبء الإنساني الأكبر، وهم مستوطنون في تراب آبائهم وأجدادهم، فإذا أحصينا أمثلةَ نجاحٍ نادرة في معارج التاريخي الكلي، كان الوعي هو البطل المركزي، هو القائد الموصوف بالتاريخي. فالأمم الأصيلة لا تُصنِّف بالتخلف والتقدم إلا في مختزلات الثقافة الدارجة. لكن تصنيفها الحقيقي هو فيما أبدعته لذاتها و للإنسانية من شروط العيش الكريم في ظل حرية واقعية وعدالة مشروعة بمفاهيمها وإجراءاتها.. مرة أخرى تفاجئنا هذه التعريفات بوضوحها وسهولتها، لكن الأصعب والأهم هو في تحقيق بعض مآثرها.